مَن كُتبت لهم الولادة قبل تقنية الفضائيَّات، يترحَّمون على أيَّام الراديو الذي كان يستمدُّ الطاقة من بطاريَّة مماثلة لبطاريَّة السيَّارة، ومتَّصل بسلك هوائي منصوب فوق سطح البيت، ممتد أفقيًّا مواجهًا موجات أثير المحطَّة المراد سماع برامجها.. حول هذا الراديو المذياع، كان أفراد العائلة والجيران ممن لم يدخل المذياع بعد إلى بيوتهم يتحلَّقون كلَّ مساء ليستمعوا نشرة الأخبار في الساعة الثامنة والنصف من كلِّ مساء، وقبلها تلاوة مباركة من آيات الذكر الحكيم بترتيل كبار المقرئين المصرييِّن.

في آخر أمسية من كلِّ شهر، يزداد عدد المتحلِّقين حول المذياع للاستمتاع بصوت كوكب الشرق السِّيدة أم كلثوم وهي تشدو بأجمل القصائد كلماتٍ ولحنًا واداءً، وغالبًا ما كان تصاحب الأمسية وجبة عشاء خفيفة (تعتيمة)؛ فيها تشكيلة من حواضر البيت كالجبن والزيتون والبيض المقلي والدقَّة المدينيَّة والشاهي مع خبز الشريك الذي اشتهرت به مخابز الكعكي في المدينتين المقدَّستين وجدَّة.. وقد تضاف إلى أطباق (التعتيمة) الطعمية والفول المدمَّس من مطاعم الغامدي والمانتو واليغمش من مطاعم عابد، والمطبَّق من مطاعم أبو زيد تكريمًا لضيف عزيز ولمن حضر معه.. وينفضُّ المجلس مع منتصف الليل، وكلُّ واحد منهم سعيد بالوقت الذي قضاه مع الأهل والجيران.

تلك المتعة أفسدتها الفضائيّات التي غطَّت أطباقها أسطح المنازل وشرفاتها، وتبثُّ برامجها ليل نهار بدون توقُّف.. وزاد الطين بلَّة توصيلات الكهرباء والتلفزيون في كلِّ غرف البيت، حتَى غرف النوم التي سحبت كلَّ فرد من أفراد الأسرة الواحدة إلى غرفة نومه، ليشاهد ما يروق له من برامج تلفزيونيَّة.. وغالبًا أيضًا ما يتناول وجبة عشائه بمفرده في غرفته.. وهكذا انفرط عقد الأسرة وترابط أفرادها.. هذا علاوة على السهر حتَّى ساعات متأخِّرة من الليل، في فصل الصيف وموسم الإجازات المدرسيَّة خاصَّة حيث يصحو الساهرون من النوم مع وقت الظهيرة مجهدين ومتعبين.. وقد فاتتهم متعة النظر إلى إشراقة الشمس، وصباح أتى ليعلن معه ولادة يوم جديد بنور يبعث على النشاط البدني والفكري.

الأسبوع الماضي فتحت المدارس والكلِّيات والجامعات أبوابها لتستقبل طلبتها في عام دراسي جديد.. وهذه الأيام هي الأكثر مشقَّة وإزعاجًا على الطلبة وذويهم.. وقد يتطلَّب انتظام نوم الطلبة عدَّة أيَّام، إن لم يكن عدَّة أسابيع.!

هنا أودُّ أَن أذكِّر -مع التقدير- أنَّ مملكة السويد التي أمضيت في ربوعها عدَّة سنوات من سبعينيَّات القرن الماضي، كان التلفزيون هناك ينهي برامجه مع حلول الساعة العاشرة من مساء كلِّ يوم، ومعه تطفأ أنوار المنازل.. فهو وقت النوم لساعات ثمانية، يستيقظ بعدها النائمون في الصباح المبكر نشطين وكأنهم يمتثلون الحكمة التي كانت جدَّاتنا يردِّدنها: (نام بكِّير وفيق بكِّير وشوف الصحَّةً كيف بتصير).. ولطالما تساءلت عمَّا إذا كان من الصالح لمستقبل الأجيال القادمة سحب أجهزة الهاتف والتواصل الاجتماعي من غرف النوم، والاكتفاء بتلفزيون واحد في صالة المعيشة مثبت فيها توصيلات أجهزة التواصل الاجتماعي، وفيها يجتمع أفراد الأسرة الواحدة كلَّ مساء.. فغرف النوم للنوم، وأخذ القسط المطلوب من الراحة لتجديد النشاط مع إشراقة يوم جديد تغطِّي فيه أشعَّة الشمس ظلام الليل، باعثة النشاط الجسمي والعقلي، وفيما يروى عن رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، قوله: (الَّلهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا).

المؤسف أنَّ غالبيَّة ناسنا ينسون هذا الوقت الفضيل، وينامون حتَّى الظهر، خاصَّةً أيَّام الإجازات الأسبوعيَّة خاصة، فتضيع عليهم هذه البركة، ولا يحصلون عليها.