تحدثت في المقال السابق عن الموضوعية ومعناها الحيادية وعدم التحيّز في القرار لمواجهة حالة معينة في وقت معيّن لتحقيق هدف معيّن.. واليوم سأعرض لكم مثالا لتطبيق الموضوعية في السلوك الإداري الرائع.. في رحلتي الدراسية كمبتعث درست في عدة جامعات أمريكية رائدة ولله الحمد.. هذه الجامعات تريد منك كطالب التحق ببرنامجها في الماجستير أو الدكتوراه أن تكون مثل أي طالب أمريكي، وتُعامِلك مثله تماماً، فإذا شعروا بأنك لا تستطيع مجاراتهم بسبب لغة أو أي عذر آخر، أصرّوا على عودتك إلى برنامج اللغة لتتمكن من الاستيعاب لما يُقال في المحاضرات، والتعبير عن رأيك، وعمل الواجبات، والإجابة في الامتحانات القصيرة والنهائية.. ويعطى الطالب فرصة لتحسين مستواه، فإذا أخفق في تحقيق ذلك؛ يتم فصله.. طبعاً هذه المواقف تكون تجاه جميع الطلاب أمريكيين أو أجانب، وهي لا تصدر إلاّ من جامعات راقية ومحترمة.

يوجد نوع من الاعتبار المؤقت لحكم عامل اللغة الذي يواجِه بخاصة الطلابَ العرب، فالطالب يُعطَى فرصة كافية لتحسين لغته كتابةً وتحدّثاً، ويجب أن يثبت ذلك في قاعة المحاضرة مع أستاذ المادة والطلاب بالمشاركة والتعليقات المطلوبة.. هذا هو دور الموضوعية الغربية في التعامل مع كل الطلاب دون مراعاة خاصة لجنس أو عرق أو لسان؛ لأن الجامعة لا تنزل أبداً إلى مستوى الطالب؛ بل تريد أن ترفع الطالب إلى مستواها، حرصاً على ريادتها في الجامعات الأخرى المنافِسة لها.

إن الجامعات الأمريكية الممتازة، تحرص على تخريج دفعات تحمل اسم الجامعة ورمزها وسمعتها، ولذا فهي تحاول بناء معرفة ومعلومات وخبرات وتجارب يحتاجها الطالب في حياته العلمية والعملية.. لكن منّا من يفاجأ بعدم استطاعته غالبًاَ تطبيقَ أكثر مما تعلمه في سنين غُرْبته ودراسته، إلّا قليلاً.. فالبيئة القديمة والراسخة في المجتمع تبتلع البيئة الجديدة وتحرّك جماعتها في مسارها التقليدي البعيد عن حمى الموضوعية التي هي أساس مكارم الأخلاق في المعاملات الخاصة والعامة.. وتوجد شروط للموضوعية يجب توافرها عند العمل بها، منها: الشفافية، العدالة، الأمانة، الحيادية، النزاهة.

وفي مقال آخر سأعرض لكم صوراً حقيقية للموضوعية فكراً وممارسة.