Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

كفتــــــــــــــــــة

A A
هي خلطة اللحم المفروم. وتختلف من بلد إلى آخر.. بعضهم يضعون الثوم والبصل في الخلطة.. وفي بعض الأحيان يضاف البقدونس والكزبرة.. وربما أيضاً الرمان والبهارات.. وأكيد أن كل مجتمع حر في كفتته.

ومن أغرب خلطات الكفتة ستجدها في إنجلترا حيث تضاف بعض أنواع الفواكه والمكسرات وتسمى «مينس ميت» Mincemeat .. وهو الاسم الذي أطلق على إحدى أغرب عمليات التمويه الاستخباراتية في التاريخ. قمة البكش والخداع.. والموضوع باختصار كان عملية خداع الاستخبارات العسكرية البريطانية للقيادة النازية خلال الحرب العالمية الثانية تمهيداً لاقتحام جنوب أوروبا. وكان التخطيط لذلك من خلال إحدى أكبر العمليات البرمائية في التاريخ.. كانت تشمل ثلاثة آلاف مركبة بحرية عسكرية لإنزال مائة وستين ألف جندي على جزيرة صقلية للبدء في احتلال الأراضي الإيطالية. وأحد التحديات الكبرى هو أن التجارب التاريخية العسكرية أثبتت أن الإنزال البحري لاقتحام الشواطئ كان دائما يبوء بالفشل الذريع من القوات المهاجمة.

وهنا ولدت خطة تمويه لإقناع القيادة الألمانية أن الهجوم سيكون من شواطئ شمال أفريقيا: مصر، وتونس، والجزائر على اليونان التي تقع على بعد حوالي ألف وأربعمائة كيلومتر شرق موقع الإنزال الحقيقي. ومختصر الخطة كانت كالتالي: يتم اختلاق قصة وفاة ضابط بريطاني وبحوزته أوراق سرية على شواطئ إسبانيا. وللعلم، فبالرغم أن إسبانيا لم تكن ضمن أطراف نزاع الحرب رسمياً، إلا أنها كانت مليئة بالجواسيس من جميع البلدان.. أكثر من الشريطية في حراج السيارات. وبعد شهور من الاستعداد في إنجلترا، بدأت تتجلى عناصر دهاء العملية السرية.. تم العثور على الجثة الملائمة في لندن، وتكونت حولها شخصية ضابط في سلاح مشاة البحرية، وعثروا له على خطيبة حسناء حقيقية، وخطابات غرامية وصور فوتوغرافية، ووجدوا شبيهاً له لتصويره لإصدار الأوراق الرسمية.. وأصدروا أيضاً خطاب تهديد من البنك الذي كان يتعامل معه بسبب أوضاعه المالية، والأهم من كل ذلك: خطاب رئيس قيادة الأركان البريطانية لتأكيد عملية إنزال القوات على الشواطئ اليونانية.. وكل هذا البكش كان في سرية تامة. وكانت النتيجة هي اختلاق الضابط البريطاني «بيل مارتن».

وفي أواخر أبريل 1943 تم تحميل الجثة على متن غواصة بريطانية في إسكتلندا فقامت برحلتها إلى شواطئ إسبانيا وتم التخلص من الضابط القتيل بطريقة مبرمجة تسهل العثور عليها من السلطات الإسبانية. وطبعاً فحصت تلك السلطات جميع الأوراق التي كانت في حوزة المتوفى، وتمت معاينة الأوراق ووجدت طريقها إلى أيادي جواسيس ألمانيا فتم توثيق وتصوير كل مكوناتها، ورفعت محتوياتها بتقارير رسمية إلى القيادة العليا في ألمانيا. وبالرغم من دهاء الاستخبارات العسكرية النازية، «شربوا المقلب» أو بالأصح «أكلوا الكفتة»، واقتنعوا أن الهجوم سيكون على اليونان. وبناء على ما جاء في المقلب، صدرت الأوامر بتحويل القوات الدفاعية بعيداً عن الموقع المخطط لعمليات الإنزال.

وجاء الهجوم على صقلية التي لم تكن قواتها مستعدة، فكانت هزيمة كبرى للقوات النازية وأدت إلى بداية النهاية للهيمنة الألمانية على أوربا.

وبالمناسبة إن حسبت أن الموضوع فيه رائحة روايات الجاسوس الخيالي «جيمس بوند»، فالسبب أن مؤلف تلك الروايات الجاسوسية الأسكتلندي «إيان فلمنج» كان ضمن فريق جواسيس العملية في بريطانيا آنذاك.

أمنيـــــة..

بعد الانتهاء من البحث لكتابة هذا المقال شعرت بهيبة الكفتة فلم أتخيل أن لها بعض الجوانب الداكنة.. جواسيس، وجثث، وتزوير، وأكاذيب.. يا ترى ما هي العمليات التي يتم طبخها اليوم ضد البشرية، وكم من أنواع الكفتة التي ستؤكل اليوم.. أتمنى أن يقينا الله شرورها.. وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store