كل ما أتذكره أنني غادرت مطار جدة، وأن طائرة مصر للطيران أقلعت في موعدها قبل نحو أسبوع، وأن قائد الطائرة هنأنا بسلامة الوصول الى مطار القاهرة!

شقت السيارة طريقها الى منزلي «الجديد» في التجمع الخامس، واستقبلتني الأسرة بفرح معتاد، وهشت الحفيدة في وجهي، وعلى كتفي ولم أكن قد استبدلت ملابسي، صعد الحفيد! والحق أنني رغم مروري على شقيقي الأكبر، والحديث مع شقيقي الأصغر، ورغم مراجعتي للسجل المدني، ولنقابة الصحفيين بوسط القاهرة، والمجلس الأعلى للاعلام بكورنيش النيل، وتناول سندويتشات الفول والطعمية، مازلت أشعر بأنني على سفر!.

صحيح أن «الحاج رضا هلال» يتصل بي كل مساء ليسألني عن موعد وصولي، لكن الشئ المؤكد أنني وصلت القاهرة، ومارست عملي الصحفي اليومي، وأجريت اتصالا برئيس التحرير في جدة، واخترقت شوارع القاهرة، بل وشاهدت النيل العظيم، فما الذي يعتريني ويشعرني أنني على سفر؟!.

أنا على ثقة تامة بأنني في القاهرة، وهناك أكثر من دليل، يؤكد هذه الحقيقة، ويكفي أنني زرت ماسبيرو حيث مبنى التلفزيون الذي ناء بحمولته البشرية.. أشق طريقي في حواريه العلوية، صاعداً الى الدور التاسع حيث ينبغي تحمل تأخر المصعد في حالة الصعود، والنزول على السلم، إذا طال التأخر لأكثر من 20 دقيقة!.

ثم ان البيوت والمقاهي والمحلات المحيطة أزيلت بالفعل، وارتفعت فوق أرضها عمارات شاهقة بل ناطحات سحاب حقيقية، ولا يوجد الآن محلات للكشري، وباعة للترمس والذرة المسلوقة أو المشوية!.

كعادتي، تهت في الطريق، وبدلاً من الدخول في نفق الأزهر الذي يوصلك مباشرة الى ميدان الأوبرا، وجدتني في الجمالية، قبل أن أعود مرة أخرى لأمر من أمام مبنى الأزهر القديم، حيث أجمل الذكريات مع فضيلة الإمام جاد الحق، والمشوار اليومي مشياً على الأقدام من جريدة الجمهورية!.

لقد حوصر المبنى القديم حصاراً خانقاً، وباتت أمامه جدران أسمنتية وأعمدة حديدية!.

أنا بالفعل في قلب القاهرة، أمرق من أعجب شارع أو ممر على مستوى العالم، حيث تتراص السيارات أمام دار القضاء العالي، ثم تفيض فتتراص على جانبي الشارع الخلفي من جهة نادي القضاة، ثم تفيض فتتراص في قلب الشارع أو الممر، بحيث تبقى حارة واحدة، ينظمها «أكثر من سايس»، ويقف على رأسها «رجل مرور»!

لا تتجاوز مساحة هذا الشارع أو الممر المؤدي الى شارع عبد الخالق ثروت 300 متر ومع ذلك فقد تستغرق منك نحو 30 دقيقة.. على أن السؤال الذي ظل يشغلني رغم أنني دخلت شارع «شامبليون» هو كيف يمكن لهؤلاء «الراكنين» أن يخرجوا سياراتهم من هذه المعمعة الكبرى!.

والواقع أنني لكي أهرب من الإجابة على هذا السؤال الصغير، عدت للسؤال الكبير: لماذا يعتريني الشعور بأنني مازلت على سفر؟!.

لقد اكتشفت، أن جمرة الشوق الى قريتي مازالت تكوي يدي، حيث تنتظرني شقيقاتي، وأفراد عائلتي، وأصدقائي، وحيث ينام الحبيب «علي» الذي يرسل لي السلام عندما يأتي في المنام للعديد من الأقارب، وحيث يحلو له كما كان يفعل في الدنيا المرور، على من رحلوا من الأحباب!

سألتني المذيعة التلفزيونية اللبقة عن سر حنيني الدائم للقرية، فقلت بسرعة، إن من يأكل من خبز الرملة، لا يهرب، أو ييأس، أو يهرم.. قد يخسر في الحياة جولة، لكنه يقوى ويعافر ويقاوم!.

وقلت صحيح أنني قد أحزن من بعض المظاهر لكني كما كان «علي» يكظم.. يتألم.. لكنه يغلق فاه، ولا يتكلم، حتى يقضى أمر الله!.

وقلت فيما قلت عن التبادلية المحببة بين الرملة وبين بلاد العالم، إنني أجمع ما أمكن من طرق الغربة، وأعود بها.. أسقطها أو أنثرها في حقل أو في ترعة، ثم أنقيها كحبات الغلة، لتصبح أغنية فوق شفاه القرية!.

ألملم أجزائي، حتى لا تتساقط أحلامي من دفتر أيامي، وأعود لأكتب وأقاوم.. حتى لا أغرق في الحزن الدامي، وحتى لا أقبع أو أتسمر في زنزانة أشجاني!. جاء صوت «رضا» قوياً هذه المرة، فقلت سآتي.. وسنجلس كالمعتاد على حافة الشرفة، نفرش مناديل الألفة!

يتوالى مرور الناس، يشتاق فؤادي لبعض الأشخاص، وأزداد يقيناً بأن الأرواح طيور خضراء، وأن الأجساد مجرد أقفاص!.

قال صديقي الذي صار قاهرياً، انتبه! فالطرق السريعة الجديدة اخترقت الأراضي الزراعية، والأبنية الجديدة تعلو وهي شبه عارية، ناهيك عن لون الأعمدة الإسمنتية!

قلت يخطئ من يظن أو يفسر أو يحصر تأثير الجمال في الفعل ورد الفعل! يخطئ من يتصور أو يصور علاقة الجمال بالإدراك بطريقة ميكانيكية محضة!.

يا صديقي إن الجمال الحقيقي غير الملموس أحياناً.. يهزنا ويخطف قلوبنا، سنبحث عنه، ليس باعتباره تلهياً وإلهاء، وتسلياً وتسلية، وإنما هو ضرورة من ضروريات النفس البشرية! لقد اكتشفت أن جمرة الشوق هذه، لن تنطفئ الا اذا توجهت الى «الرملة» حيث استمد الحب والوجد والجمال المنفرد، وحيث أهيم بالزرع والطير والورد والشوق المجسد.