الألم في الفلسفة أحد الظواهر الوجدانية الأساسية، وفي علم النفس: شعور بما يضاد اللذة من عدم الراحة أو الضيق أو المضض سواء كان شعورا نفسياً أم خلقياً، الفيلسوف فريدريك نيتشة عانى من الألم والمرض في حياته، وكتب كثيراً عن معنى الألم من حيث صلته بمعنى الحياة بشكل عام وبين مقولاته الشهيرة: «سبق أن قلتم نعم للذة؟ بعدها قلتم نعم للألم أيضاً؟!

كل الأشياء مترابطة، متشابكة، في حب بعضها البعض» أو كما يقال: «ما لا يقتلني يجعلني أقوى»، فبقدر ما يكون الألم إحساساً أو شعوراً سلبيا بعدم السعادة أو المعاناة، إلا أنه أحيانا يمتزج بالسعادة، كما يحدث عند النساء لحظة الولادة فبقدر آلام المخاض أو الطلق، وهي الآلام التي تهاجمها عند الولادة، إلا أن لحظة الميلاد وخروج حياة أخرى تلك سعادة لا تعادلها سعادة في الدنيا إلا العناية بهذا المولود ورعايته وسعادته.

نتغاضى أحياناً عن كثير من حقائق الحياة الدنيا، أو نحاول تجاهلها وهي بين أيدينا، تقتحم طمأنينتنا، توهن عزيمتنا أحياناً، ترهق قلوبنا، لكننا نحاول حجب رؤيتنا وتجاهل وجودها أو ذكرها، كالموت والمرض والألم وعثرات الحياة!. مع أن الألم معنى وجودي، كالتفكير، والفرح والسعادة، أو على وزن العبارة الوجودية الخالدة لديكارت: «أنا أفكر فأنا موجود»، أنا أتألم فأنا موجود! إلا أننا نحاول تجاهله أو الخلاص منه بكثير من الممارسات التي يعرفها علماء النفس إلى «الهروب»، كمن ينغمس في اللهو بأشكاله، أو في العزلة أو في أشكال أخرى ليس هذا مجال سردها!.

الحزن، الألم، مشاعر الفرح والسعادة، الحب والكره، الرغبة والرهبة، ثنائيات تقتحم حياتنا في أي لحظة، لكن يظل الألم رمز الحياة وتوأمها، لا يتخلى عنها إلا عندما تتخلى الروح عن الجسد، فالموت هو خلاص الانسان من كل تلك الثنائيات الوجودية، لذلك يعتبر الموت راحة في ثقافتنا العربية.

إذا كان الموت يمثل أقصى حالات الراحة للميت، فهو يقدم للأحياء الذين شهدوا لحظة الموت وتخلص الانسان من شقائه الأبدي فوائد جمة ربما تفوق فوائد السفر السبعة!

«الموت يعيد صياغة البشر، ويجعلهم أكثر إحساسا بالحياة» عبد الرحمن منيف في إحدى رواياته؛ لأن الموت أعظم ألم وأقساه لمن فقد عزيزاً، كل الآلام يمكنك احتمالها، ويمكنك الصبر عليها حتى تتلاشى وتزول من الجسد أو النفس، لكن «الموت»، ألمه شديد، لا تملك مُسكِّناً يخفف وطأة ألمه غير الصبر، ولا تملك مشرطا يستأصل مكمن الألم غير الإيمان العميق بأن: «كل نفس ذائقة الموت»، وأن: «لكل أجل كتاب».

ولأن الحزن والألم هما الأكثر حضوراً والأعلى رصيداً في حياة البشر، يصبح الفرح (صيده) كما يقول المكيّون، إلا أن بعض الناس لا يستجيب للفرح إلا على وجل، يضع يده على قلبه متمتما «اللهم اجعله خيرا»، كأن لحظة الفرح مصيدة أو فخ ينصب له ليقع في شراك الحزن والألم، أو أن لحظة الفرح ومضة ضوء يسحقها الحزن الرابض خلفها!

نخاف من الارتماء في حضن اللحظة الضاحكة، نفشل أحيانا في اصطياد تلك اللحظة، لكنك تشعر بإنسانيتك وأنت تشارك الناس أفراحهم وأحزانهم، تشعر بإنسانيتك ووجودك وكيانك عندما تمتليء بالحزن والألم، خصوصا الألم الخاص والشخصي، تصبح أكثر عطاء وأكثر حكمة وأكثر حباً لمن حولك.

انظر إلى الأم المكلومة بعد فترة من الزمن ستجدها أكثر صفاء ونقاء، لكن الألم والحزن أصبحا جزءاً من وجودها وكيانها وشخصيتها، فهي تتفاعل مع آلام من حولها، لأنها الأكثر علماً بدروب الآلام ومنعطفاتها، بتأثيرها وآثارها، ليس فقط على القلب والوجدان بل على الإحساس بالحياة ذاتها!.