في أوثق مرجع يحتكم إليه المسلمون (القرآن الكريم) نجد آيات عديدة مثل «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها»، «فاتقوا الله ما استطعتم»، «وما جعل عليكم في الدِّين من حرج»، وغيرها من الآيات المحكمات التي تدل على أن التكلف في أمور العبادات هو من الأمور المنهي عنها؛ بحكم الطبيعة البشرية التي لا تحتمل فوق طاقتها المفطورة عليها. وحينما انبثق نور الإسلام كان النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني المسلمين، فكان يرشدهم إلى الاعتدال في العبادات وينهاهم عن التشدد وتكليف النفس ما لا تطيق محذرًا إياهم بقوله: «فمن رغب عن سُنتي فليس مني». وأما ما كان منه من الاجتهاد في العبادات فإنه لم يكن ليشق على نفسه بما لا تطيق، وإن بدا لصحابته رضوان الله عليهم أن في ذلك مشقة عليه؛ فقد بيَّن لهم أنه يختلف عنهم «إني لستُ كهيئتِكم..» ما يعني أن ما يقوم به من اجتهاد في العبادات -كالوصال في الصيام مثلاً- فلأنه ليس كهيئة صحابته وسائر المسلمين، ما يعني تحمُّله ما لا يطيق الصحابةُ تحمله.

ولا تغيب عنا قصة الثلاثة نفر في زمن الرسول حينما تقالُّوا عبادته فعزموا على أن يأتوا بعبادات تتجاوز عبادته، فلما علم بأمرهم قال: «أَما واللَّه إنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء..».

وبعدَ وفاته وبامتداد التاريخ الإسلامي كثُرت الاجتهادات في العبادات، فزِيد في بعضها ما ليس منها؛ ظنًّا أن ذلك زيادةً في التقوى بل كثُرت مشادَّة الدِّين، في حين قال الرسول: «لن يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غلبه»، وهذه الاجتهادات ما كان الرسول ليُقرها لو كان بينهم، ومن ذلك من يدَّعي أنه يختم القرآن أربع ختمات بالليل ومثلها بالنهار، ومن يدعي أنه يختم القرآن ما بين المغرب والعشاء ومن يدعي أنه يختمه في ركعة، مع أن الرسول قال: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» أي ثلاث ليالٍ، بل إنه قال لصحابته ذات مرة: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشق ذلك عليهم وقالوا: أيُّنا يطيق ذلك؟!».

فالشاهد هنا أن الصحابة -وهم مَن هم في التقوى والصبر على العبادات- يرون أن في قراءة ثلث القرآن في ليلة مشقةً عليهم، ونفَوا قدرتهم على ذلك ثم يأتي من يقول بختم القرآن في ليلة وربما أقل.

ومن الصور أيضًا أن ينهدم جزء من المسجد وأحدهم يصلي ولا يتحرك ولا يلتفت، ومن ذلك أن يحج المسلم كل سنة أو يعتمر كل شهر، وغير ذلك من العبادات التي يأتي بها المسلم فوق طاقته، وقد حذر الله من مثل ذلك فقال: «ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها».

هذا لا يعني بحال من الأحوال أن السلف كانوا مقصرين في عباداتهم، بل كانوا يأتون بها على وجهها الأتم وربما اجتهدوا فزادوا في النوافل بما لا يشق عليهم، لكن في الوقت نفسه لا يعني هذا انتفاء الحالات (الفردية المتكلفة) بينهم والتي بالغت في أمر العبادات وشقت على أنفسها.

والسؤال: هل نجعل لهذه الحالات (الفردية المتكلفة) وجاهةً؛ بحيث نعممها وتغدو لنا القدوة والمنهج ونرى التديُّن من خلالها ونترك سنة الهادي الذي لم يشق على أمته وقد قال: «يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا..»، ونترك الاقتداء بالجمع الأَعظم من السلف الذين تمثلوا الدين على وجهه الصحيح وأدوا العبادات دون إفراط ولا تفريط؟، عليه ينبغي ألا تكون هناك وجاهة (في أمور العبادات) للحالات (الفردية المتكلفة) لفئة قليلة من السلف -أو حتى الخلف- بالغت في العبادات وشقت على أنفسها بما لا تطيق؛ فقد ثبت أن مَن جاء بأركان الإسلام كاملة فقد وجبت له الجنة؛ فقد جاء رجل إلى النبي، فقال: يا رسول الله أرأيتَ إن شهدتُ أن لا إله إلا اللهُ وأنك رسول الله وصليتُ الصلوات الخمس وأديتُ الزكاة وصمتُ رمضان وقُمتُه، فمِمَّن أنا؟ قال: (من الصِّدِّيقين والشُّهداء)»، ومهما كان من تقصير من المسلم (الموحِّد) في حق الله (مع دوام التوبة والإنابة) فالله كريم يتجاوز ويعفو وقد وعد وعدًا قاطعًا بذلك، ولذا ينبغي أن نوظف تكلُّفَنا -إن كان هناك من تكلُّف- في أداء حقوق الناس (العينية والمادية والمعنوية) التي لا تُغتفر إلا بالاقتصاص يوم القيامة؛ ففي الحديث: «‏من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شئ فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه».