أقرت وزارة التعليم تدريس مناهج جديدة لهذا العام الدراسي ومنها التفكير الناقد؛ وهي مادة مهمة لصقل شخصية الطالب وتنمية قدراته لمواجهة المشكلات باستخدام مهارات عليا في التفكير؛ إذا لم يَعُد تلقِّي المعلومة وتذكُّرها واستظهارها أساليبَ ناجعة في التعليم، حيث نريد قلب (هرم بلوم) ونعطي المهارات العليا في التفكير اهتماماً ليكون: التقويم، والتركيب، والتحليل.. بل والإتيان بشيء جديد يقود إلى للإبداع هو أساس التعليم الذي تبنَّته أنظمة تعليمية متقدمة كاليابان وفنلندا وسنغافورة.

ونحن ديننا الإسلامي العظيم قد جاء يحث على استخدام العقل واستخدمت مصطلحات متنوعة في القرآن الكريم مثل: (يتفكرون – يعقلون – أولو الألباب – يفقهون – أفلا يبصرون –لأولي الأبصار..) وكلها مصطلحات تحث المسلم على التفكير، وهو بهذا فريضة إسلامية.

لقد أثارت صفحة 175 من كتاب (التفكير الناقد) للصف الأول الثانوي استياء لكثير من المربين والمثقفين لما تناولته من عبارات تشكيكية في ذات الفرد حيث طرح التطبيق (أفهم وأحلل): «هل أنا بالفعل هو أنا؟، ما الذي يجعلني أفكر في ذاتي أو هويتي على هذا النحو؟، من أنا؟ هل أنا هذا الجسد الذي هو جسدي؟ هل أنا أفعالي وكل ما تعلمته طوال حياتي؟، هل أنا عقلي؟ أفكاري؟ شخصي؟ هل كنت سأكون نفس الشخص إذا عشت في جسد مختلف؟، هل أنا بالفعل نفس الشخص الذي أفكر أنه أنا؟».

وحقيقة كان لا بد أن أمارس التفكير الناقد ككاتبة رأي تمحص الأفكار وترجع إلى مصادرها الأساسية الموثوقة فاطلعت على الكتاب وقد وجدته نفس نسخة الثالث متوسط!! والمنهج البنائي يحتم التدرج من حيث السهولة والأفكار الواردة. وقد شملت كلتا النسختين ثلاث وحدات أساسية تفرعت منها 7 دروس. وعموماً كانت الموضوعات جيدة.. وأما التطبيق الفلسفي السابق فقد كان في الوحدة الثانية (للدرس السادس) بعنوان: (قوانين الفكر الأساسية) والتي صنفها مخططو المنهج إلى :1- قانون الهوية (الذاتية)، 2- قانون عدم التناقض، 3- وقانون الثالث المرفوع.

ولست هنا بصدد شرح كل مفهوم.. ولكني أرى أنها قوانين لا تتناسب مع المرحلة العمرية وخصائص النمو العقلي والنفسي لهذه المرحلة.. خاصة الأسئلة المحيرة حول ذات الفرد فهي مجرد أفكار فلسفية تشكك الطالب في ذاته فالعقول غضة وفهم الدين لم يصل للمستوى المطلوب مما قد يؤدي إلى زعزعة العقيدة في نفوسهم بل ربما يقود للإلحاد لا قدر الله.

كما وأنه وبعد اطلاعي على المقرر وكخبيرة تربوية أتساءل: لماذا لم يكن هناك مهارات أساسية في التفكير الناقد مثل: المقارنة المقابلة، التصنيف، وعلاقة الجزء بالكل والسبب والنتيجة.؟، لماذا لم توظف التدريبات ليس للمعرفة ولكن في المواقف الحياتية اليومية والتي أيضاً تتطلب مهارات في الاستقصاء وصناعة القرارات.. وحل المشكلات؟ بل لم تقدم لهم طرق عمل المنظمات البيانية التي تساعد على التحليل والتصنيف مثل: عظم السمكة، والشجرة، ومنظم المقارنة والمقابلة؟ كيف يختلفان، وكيف يتشابهان والنتيجة.. مع إعطاء فرصة للبحث والاستدلال والاستنباط. وفي مهارة اتخاذ القرار وضع منظم للإيجابيات والسلبيات بناء على المعطيات ثم اختيار الأفضل.

المشكلة أيضاً إن تدريس التفكير الناقد والفلسفة قد أسندت لمعلمي ومعلمات التاريخ والجغرافيا وعلم النفس وعلم الاجتماع واللغة العربية بعد إعطاء تدريب لمدة أسبوعين أو ثلاثة.. فهل هذه الفترة كافية لتقديم هذه المواد بتمكن؟!

وأما مادة الفلسفة فحتماً تحتاج إلى تخصص، وخلفية كبيرة في علم النفس والفكر الإسلامي؛ ولذلك فإن مكانها في الجامعة وليس في المتوسط والثانوي لأنها تتطلب مهارات عقلية وسلوكية ونفسية مخصصة.. ولكن السؤال هل الفلسفة من مهارات القرن الحادي والعشرين في الأنظمة التعليمية العالمية؟!.. الكثير من أجنحة كتب الفلسفة في الجامعات الأوربية قد أزيلت ووضع بدلاً منها كتب التقنية، والاقتصاد الرقمي، والفضاء.. لأنها أهم ملامح التغيير الثقافي في المجتمعات الإنسانية، فهل نعود لأرسطو وأفلاطون ونترك مهارات المستقبل؟!.