عززت الإصلاحات الهيكلية التي أطلقتها «رؤية المملكة 2030» من قدرة الاقتصاد السعودي على تجاوز أزمة جائحة كورونا العالمية، إذ تمكن الاقتصاد السعودي بفضل برامج الرؤية الطموحة من إرساء هيكل قوي للحوكمة والتعاون بين الهيئات والوزارات واتساع نطاق برامج التحول الرقمي على صعيد الخدمات الحكومية والمالية ومكافحة الفساد، وإصلاحات سوق العمل بالشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، وبرنامج التوازن المالي ، وكان لبرامج الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، وإستراتيجيات الذكاء الاصطناعي دور كبير في تغيير خريطة تنوع الاقتصاد السعودي وتعافيه من الأزمة العالمية.

وأضافت تجربة المملكة في مواجهة الجائحة مفاهيم مبتكرة في إدارة الأزمات، وقدمت للعالم أنموذجًا في تعاملها مع تداعيات الموقف صحياً، واجتماعياً، واقتصاديًا، متفردًا بقيمه الإنسانية فلم تفرق بين مواطن ووافد على ثراها، وإلى أبعد من ذلك امتدت جهود المملكة خارجيًا لتساند الأسرة الدولية حمايةً لملايين البشر من خطر الجائحة.

فكيف وصلت المملكة الى برالامان، ولماذا أشادت كثير من المنظمات الدولية والإقليمية بالتجربة السعودية في إدارة جائحة كورونا؟ وتخفيف تداعياتها اقتصاديًا واجتماعيًا؟.

«صندوق الاستثمارات» يضخ 150 مليارًا سنويًا

فيما أكد ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، إن صندوق الاستثمارات العامة سيضخ خلال عامي 2021 و2022 ما يقارب الـ150 مليار ريال سنويًا في الاقتصاد السعودي، وبزيادة سنوية حتى عام 2030. و»سيتم توفير هذه السيولة من خلال تسييل وإعادة تدوير استثمارات الصندوق للدخول في فرص جديدة، وخلق دورة اقتصادية محلية، تمَكِّن من بروز قطاعات جديدة، والمساهمة في توفير إيرادات جديدة للدولة». قائلاً: «أصبح صندوق الاستثمارات العامة أحد المحركات الأساسية لنمو الاقتصاد السعودي. واستطعنا مضاعفة حجم صندوق الاستثمارات العامة من 560 مليار ريال إلى ما يزيد على 1.3 تريليون ريال تقريبًا، وبخطى ثابتة نحو تحقيق هدف رؤية 2030، بأن تتجاوز أصول الصندوق 7 تريليونات ريال».

برامج الرؤية والتحول الرقمي

خلال 6 سنوات من إطلاق رؤية المملكة 2030 في مارس 2015 حققت برامج التحول الوطني استنادًا على إستراتيجيات الذكاء الاصطناعي نجاحًا كبيرًا على صعيد التنوع الاقتصادي وزيادة نمو الإيرادات غير النفطية إلى مستويات غير مسبوقة، أيدتها العديد من المؤشرات الاقتصادية العالمية والبيانات الرسمية المحلية، فقد حافظت السعودية على تصنيف ائتماني قوي من «ستاندرد آند بورز» عند A-/A-2، مع نظرة مستقبلية مستقرة. كما كشفت بيانات الهيئة العامة للإحصاء أن الناتج المحلي الإجمالي للسعودية سجل نموًا إيجابيًا للمرة الأولى منذ بدء جائحة «كوفيد-19»، بنسبة قدرها 1.5 في المئة خلال الربع الثاني من العام 2021. فإن هذا النمو الإيجابي يرجع إلى الارتفاع الذي حققته الأنشطة غير النفطية بنسبة 10.1 في المئة، إضافة إلى الارتفاع في الأنشطة الحكومية بمقدار 0.7 في المئة، بينما شهدت الأنشطة النفطية انخفاضًا بنسبة سبعة في المئة.

استثمار 20 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي

تخطط المملكة لاستثمار ما يزيد على 20 مليار دولار، في مشاريع الذكاء الاصطناعي ، «وتستهدف رؤية 2030، استحداث 40 ألف وظيفة مباشرة، وغير مباشرة، تتعلق بمجال البيانات والذكاء الاصطناعي، وتدريب 40 % القوى العاملة المعنية ليكون لدينا في النهاية أكثر من 20 ألف متخصص في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي. والهدف يتمثل في أن يصبحوا مؤهلين بشكل قوي لتحقيق مستهدفات الإستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي المعلن عنها، ومن بينها إنشاء 400 شركة ناشئة في الذكاء الاصطناعي، والمساهمة في جلب استثمارات خلال السنوات العشر المقبلة تقدر بـ80 مليار ريال.

4.3 % نمو بالقطاع غير النفطي

أكد صندوق النقد الدولي في تقريره للربع الثاني من العام الجاري أن الاقتصاد السعودي يواصل التعافي على نحو جيد، متوقعًا استمرار تعافي الاقتصاد غير النفطي، الذي بدأ في النصف الثاني من عام 2020، إذ يُتوقع أن يبلغ النمو غير النفطي للسعودية 4.3 في المئة هذا العام، بعد أن انكمش بنسبة 2.3 في المئة خلال العام الماضي. وأيضًا من المرجح نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي الكلي بنسبة 2.4 في المئة خلال نهاية العام الجاري، على أن يتضاعف إلى 4.8 في المئة خلال العام المقبل، بعد أن سجل انكماشًا خلال العام الماضي، وعلى المدى المتوسط من المتوقع تسارع وتيرة النمو مع البدء في جني ثمار خطة الإصلاح الاقتصادي.

مستويات قياسية في الإيرادات غير النفطية

حقق الاقتصاد السعودي مستوى قياسيًا في الإيرادات غير النفطية خلال عام 2020 بعد أن بلغت نحو 358 مليار ريال، بما يعادل نسبة 46.5 بالمئة من إجمالي إيرادات الدولة (770 مليار ريال)، مقابل 412 مليار ريال إيرادات نفطية، بما يعادل 53.5 بالمئة من إجمالي إيرادات الدولة.

وهو ما يعكس قوة أداء الاقتصاد السعودي في عام 2020 وفي ذروة انتشار فيروس كورونا وتداعياته الشديدة ويعود إلى إجراءات الحكومة السعودية التي حصنت الاقتصاد السعودي، وجعلته يخالف التوقعات، ومن بينها ضخ قرابة الـ 100 مليار ريال لدعم الاقتصاد، لا سيما القطاع الخاص والقطاع الصحي.

تراجع معدل البطالة وتباطؤ التضخم

رصد الصندوق تواصل تعافي الاقتصاد السعودي مع تراجع معدل البطالة وتباطؤ تضخم مؤشر أسعار المستهلكين، وفقًا لتوقعات خبراء الصندوق، وتوقع أن يصل النمو غير النفطي إلى 3.9 في المئة خلال العام الجاري، و3.6 في المئة خلال عام 2022 مقابل تراجع بنسبة 2.3 في المئة عام 2020. في المقابل، توقع صندوق النقد أن يبلغ نمو إجمالي الناتج المحلي النفطي الحقيقي-0.5 في المئة عام 2021، مقابل -6.7 في المئة عام 2020، ليصل إلى 6.8 في المئة خلال عام 2022 إذ يُفترض انتهاء سريان اتفاق «أوبك+» بحسب ما أُعلن، في ظل مستويات الإنتاج النفطي المتفق عليه بين مجموعة بلدان منظمة (أوبك).

الاحتياطيات الأجنبية

حافظت السعودية على وجودها بين الخمس الكبار ضمن مجموعة العشرين من حيث الاحتياطيات الأجنبية بـ453.4 مليار دولار، وبلغت الأصول الاحتياطية السعودية في الخارج بنهاية (أغسطس) الماضي نحو 1.7 تريليون ريال مقابل 1.68 تريليون ريال بنهاية يوليو السابق له، مرتفعة 1.2 في المئة بما يعادل 20.4 مليار ريال. وتعد قيمة الأصول الاحتياطية السعودية في الخارج بنهاية الشهر الماضي هي الأعلى منذ تفشي فيروس كورونا، البالغة 1.775 تريليون ريال في مارس الماضي. وجاء ارتفاع الأصول الاحتياطية مدعومًا بارتفاع جميع البنود، بما يعكس قوة الاقتصاد السعودي ومرونته وسرعة تعامله مع الأزمة.

أداء الاقتصاد مقارنة بأكبر اقتصادات العالم

رصدت تقارير عالمية تفوق أداء الاقتصاد السعودي، مقارنة بأكبر عشرة اقتصادات في العالم خلال الربع الثاني من العام الجاري، وهي ذروة تأثير جائحة كورونا في الاقتصادات العالمية.

وجاء أفضل من حيث الأداء الاقتصادي في تسع دول من بين أكبر عشرة اقتصادات في العالم، فيما لم يتفوق عليه سوى الاقتصاد الصيني فقط بنمو 3.2 في المئة. وانكمشت جميع الاقتصادات، التي يشملها التقرير خلال ذروة كورونا، وجاءت على الترتيب، كما يلي: الصين 6.8 في المئة، السعودية 7 في المئة، ألمانيا 9.7 في المئة، والبرازيل 11.4 في المئة.

المملكة.. أنموذجٌ متفردٌ في إدارة الأزمات

اتسمت إدارة الأزمة في المملكة بالنهج التكاملي لمنظومة العمل الحكومي والأهلي والتطوعي، غايتها في المقام الأول الحفاظ على الصحة العامة وفق المعايير المعتمدة، إلى جانب دعم جهود الدول والمنظمات الدولية وبالأخص منظمة الصحة العالمية لوقف انتشار الفيروس ومحاصرته والقضاء عليه -بإذن الله-.

وتميزت بالتقصي والتدقيق لمهددات الصحة، وتقييم درجة المخاطر، والتأهب بتدابير وقائية حازمة في تنفيذها، لذلك دفعت نتائج متابعة مركز القيادة والتحكم بوزارة الصحة لمستوى الإصابة بفيروس (covid-19) بمدينة ووهان الصينية، إلى استجابة المملكة المبكرة لمواجهة تداعيات الفيروس، وصدر الأمر السامي بتاريخ 26 يناير2020 م بتشكيل»اللجنة العليا الخاصة باتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية والتدابير اللازمة لمنع انتشار الجائحة»، تضم في عضويتها 24 جهازًا حكوميًا.

واستندت المملكة في إستراتيجية مواجهة الجائحة، إلى خبراتها المتراكمة على مدى عقود في التعامل مع الأوبة والحشود البشرية خلال مواسم الحج والعمرة خاصة في شؤون التنظيم والرعاية الصحية، إلى جانب البنية التحتية المتقدمة للقطاع الصحي، الذي يوفر رعاية طبية وخدمات علاجية من خلال أكثر من 494 مستشفى موزعة في مختلف مناطق المملكة.