من أبرز صور الموضوعية في التعامل التي مررت بها أثناء دراستي للدكتوراة في أمريكا هي أني اختلفت مع مشرفي على أدوات التحليل الإحصائي المطلوب توظيفها في رسالة الدكتوراة.. والمشرف هو قامة علمية ومهنية لا يستهان به في الجامعة، ومستشار في البيت الأبيض، وله مؤلفات علمية متميّزة.. طلب مني بحكم إشرافه على الرسالة استعمال «س» من أدوات الإحصاء لتحليل بياناتي للوصول إلى المعلومات الصحيحة.. فقلت له: أنا أفضّل «ص» كأداة إحصائية جيّدة.

ولك أن تتصوّر لو حصل هذا بين طالب معيّن وبين دكتور عربي يشرف عليه؛ ماذا سيكون ردة فعله؟ طبعاً، إذا سلِمَ الطالب من التحقير والاستهزاء، سيطلب حالاً منه تغيير مشرف آخر، وسيرفع أمره إلى الادارة.. ولكن كيف كان ردّ المشرف عليّ؟.. طلب مني أن أذهب إلى من اختاره من الإحصائيين للتأكد من صحة اختيار الأداة الإحصائية لتحليل بياناتي، ورشّح لي بعضهم.. فذهبتُ واخترتُ أستاذاً غير الذي رشّحه لي، وسألته عن الأداة الإحصائية الأفضل لدراستي؛ فذكر لي الأداة «س» التي اختارها استاذي المشرف عليّ.

صورة أخرى رائعة للموضوعية في الحياة الأكاديمية في الجامعة، وهي أني أتيت يوماً إلى مكتب المشرف العلمي؛ للاستفسار عن بعض ملاحظاته على ما كتبته في بعض فصول الرسالة، فأخبرني بعدم رغبته في الجلوس معي أو مع غيري، وأعطاني موعداً بعد يومين لمقابلته، وبلهجة غير عادية غاضبة.. وفي الموعد المحدد جئته مبتسماً كعادتي هناك، وسألته عن سبب غضبه سابقًا.. فقال لي إن لجنة الدراسات العليا التي يرأسها، لم تقبل ابنته للالتحاق ببرنامج الماجستير.. اندهشت لما قاله، وسألت عن دوره عند عرض أوراقها، وموقفه من اللجنة، وليتني لم أسأله، فأردف قائلاً: أنا لست في دولة عربية.. والله هذه الكلمة كانت أمرَّ من العلقم، وأنْكَى من النصال.

هل توجد مثل هذه الموضوعية المشرقة في الجامعات العربية شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً؟.

هكذا تفوّق أولئك الرجال في علومهم وبحوثهم وأعمالهم على مستوى العالم، وهكذا نحن في العالم العربي نراوح مكاننا لغياب الموضوعية في قراراتنا.