في البداية يقول الدكتور أحمد الزيلعي الأمين العام لجمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي: لم يعد خافيًا على أحد أن الاستثمار في التراث بوصفه من أهم مقومات السياحة كثيرًا ما تتسابق إليه الدول المتحضرة، وتجعله في أولى اهتماماتها، والمملكة ولله الحمد تشتمل على كثير من المكونات التراثية التي ليس أقلها المدن التاريخية المنتشرة في طول البلاد وعرضها.

وتأتي مدينة جدة التاريخيّة على رأس تلك المدن، فهي لا تزال تحتفظ بقلبها التاريخي النابض على مر عصورها التاريخية، وحينما تسير في أزقتها، وتتأمل ابنيتها ورواشينها وبقايا أسوارها وأسواقها البدوية فإن كل شيء فيها ينبئك بالتاريخ، وبتراث الأجداد المتوارث جيلاً بعد جيل.

ويُقصد بجدة التاريخية تلك الأحياء التي كانت محاطة بسورها القديم قبل أن تخرج من شرنقتها، وتتّسع وتنتشر في كل اتجاه نتيجة للنهضة العمرانية المتسارعة التي تعيشها بلادنا منذ توحيدها على يد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- حتى عصر الناس هذا الذي يشهد التفاتة ملحوظة بامتياز نحو الاستثمار في التراث بالمملكة.

وخير مثال على ذلك الاهتمام ما صدر مؤخرًا عن ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز من إطلاق سموه مشروع إعادة إحياء جدة التاريخيّة ضمن برنامج تطوير جدة التاريخيّة الذي يهدف إلى تطوير المجال المعيشي في المنطقة لتكون مركزًا جاذبًا للأعمال وللمشروعات الثقافية ومقصدًا رئيسًا لرواد الأعمال الطموحين.

ويُذكر ويُشكر لسمو ولي العهد إطلاقه مشروعات كثيرة ترمي إلى الاستثمار في التراث إلا أن هذا المشروع يُعَدّ من أهمها، وذلك للمكانة التاريخيّة التي تتمتع بها جدة، ولأهميتها الاقتصاديّة والتجاريّة، وكونها عتبة مكة وبوابتها إلى العالم الخارجي جوًا وبحرًا، وإليها يفد معظم الحجاج والمعتمرين من مختلف أنحاء المعمورة قبل وصولهم إلى مكة، فهي على مدى تاريخها سوق تجاري مزدهر.

ومما يعطي المشروع أهميته أن ذلك الوسط التاريخي في جدة لا يزال على طبيعته التي كان عليها قبل النهضة الحديثة، فهو يتكوّن من عدة أحياء تاريخية تشتمل على ما لا يقل عن 600 مبنى تراثي أكثرها متعددة الأدوار، وبه أكثر من 35 مسجدًا وجامعًا يعود بعضها إلى عصر الخلفاء الراشدين، ومنها المسجد العتيق أو مسجد الشافعي الذي يعود بناؤه إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وغير بعيد عنه مسجد عثمان بن عفان المنسوب إلى الخليفة الراشد الذي يحمل اسمه، وهو عثمان بن عفان رضي الله عنه، فضلاً عن وجود بعض الخانات والأربطة، والساحات، وأصناف متعدّدة من موارد التراث وعناصره المختلفة.

ولا شك أن إحياء هذه المدينة التاريخيّة سيجعلها وجهة تجاريّة وسياحية تستقطب ملايين السياح من داخل المملكة وخارجها بمن فيهم الحجاج والمعتمرون التي تُعَدّ جدّه سوقًا تجاريًا لهم على مدى تاريخها. وهذا ما سيوفّر فرص عمل كثيرة، وسيسهم بشكل مستدام في الدخل الوطني للبلد، لأن الاستثمار في التراث يُعَدّ موردًا غير قابل للنضوب.