Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

زنـــقة

A A
الحمد لله أنني تعلمت على يد أفضل الأساتذة وأعتز بهم جميعاً... وفي بعض الأحيان أجد أنني من المقصرين في علمي وإدراكي بسبب عدم متابعتي أو قلة حرصي.. تعلمت أن الجغرافيا هي دراسة الأرض.. تشكيلها، وتضاريسها، وخصائصها، وسكانها.. وهي من أجمل العلوم لأنها مجموعة مفاتيح ثمينة لإدراك العالم بأبعاده المختلفة.. ولكن هناك بعض أوجه النقص في المفهوم التقليدي للجغرافيا.. إن أردت أن تفهم الدنيا «صح» فدراسة اليابسة غير كافية، فلابد من دراسة المياه.. ليس لأنها تغطي معظم كوكبنا فحسب، فهي من المؤثرات الجوهرية في تشكيل الماضي، والحاضر، والمستقبل.

انظر مثلاً في دور البحر الأحمر والخليج العربي في تكوين تاريخ وطننا وبلدان الخليج الشقيقة.. وانظر في دور البحر الأبيض المتوسط في تشكيل تاريخ الشرق الأوسط، وأفريقيا، وأوروبا.. وانظر في دور بحار آسيا، وتحديداً في منطقة الشرق الأقصى حيث تجد آلاف الجزر المتناثرة على البحار المختلفة سواء كانت في المحيط الهندي، أو بحر الصين الجنوبي و غيرهما. وطبعاً ستجد أيضاً الاختلافات والمنازعات على سيادة العديد من تلك الجزر. والسبب في النزاعات له العديد من الأسباب ومن أهمها وجود الموارد الطبيعية، وعلى سبيل المثال لا الحصر يقدر مخزون النفط والغاز الطبيعي تحت بحر الصين الجنوبي بكميات تنافس بعض دول الخليج الغنية.. وهناك المزيد، فالمضائق المائية عليها أيضاً اختلافات كبيرة تستحق وقفات تأمل.

على رأس جميع تلك المضائق نجد مضيق «مَلَقا» نسبة إلى إقليم مَلَقا في ماليزيا.. يقع المضيق البحري بين دولتي ماليزيا وإندونيسيا، وهو التجسيد الرائع لمفهوم «الزنقة».. طوله حوالي ثمانمائة كيلومتر ولكن عرضه في أضيق النقاط يصل إلى ما يعادل طول حوالي ثمانية ملاعب كرة قدم فقط. وهو اسم على مسمى فهو قناة مائية ضيقة جداً نسبة إلى الحركة البحرية الهائلة التي تمر عبره.. حوالي ثلث حجم التجارة العالمية محملة على متن خمسين ألف قطعة بحرية سنوياً.. وتحمل معظم احتياجات الطاقة للصين، وفيتنام، وسنغافورة، وبروناي، وماليزيا، وأندونيسيا، وكمبوديا، والفلبين.

وحيث إن معظم الصادرات والواردات من تلك الدول تمر عبر هذا المضيق، فعليها العين بشكل خاص لأنها تمثل عنق الزجاجة لأهم صادرات وواردات البلاد.. وعليها العين من أمريكا أيضا لاحتواء قوة جميع تلك البلدان في حالة نشوب خلافات مسلحة.

وخلال الأسبوع الماضي تم البدء في الاتفاقية الثلاثية «أقوز» AUKUS على وزن «عجوز» وترمز للحروف اللاتينية الأولى من اسم الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وأستراليا Australia United Kingdom United States... ويهدف لتعزيز إجراءات احتواء القوة الصينية حول «زنقة» ملقا، علماً بأن القوات الحربية الصينية على الأرض، وفي البحر، والجو، والفضاء، وعبر الأثير تشهد أكبر نمو في تاريخها. وتشمل الاتفاقية تزويد أستراليا بغواصات نووية أمريكية وتطوير صناعة بعض من تلك الغواصات في أستراليا.

جدير بالذكر أن المقصود هنا هو أن تلك الغواصات تسير بمشيئة الله بالطاقة النووية وليس بالضرورة أنها مزودة بأسلحة نووية. وكانت هذه الاتفاقية مفاجأة كبيرة للعديد من الأطراف: لفرنسا لأنها كانت ملتزمة مع أستراليا لتزويدها بغواصات بعقود تفوق المائتي ألف مليون ريال.. وكانت أيضا مفاجأة للصين لأنها لم تتوقع أن تكون أستراليا من دول اتفاقيات دفاعية موجهة ضدها بسبب التعاون الاقتصادي التاريخي بينهما.. وكانت مفاجأة أيضاً لمجموعات أسترالية مناهضة لمشاريع الطاقة الذرية بكل أشكالها وأنواعها.. بدءاً بالغواصات وصعوداً إلى المفاعلات.

أمنيـــــــة

مضيق مالقا المائي هو أحد التحديات الكبرى في التوازن السياسي في جنوب شرق آسيا بسبب تحدياته الجغرافية، والاقتصادية، والعسكرية، والسياسية. ولكن هناك نقطة إضافية مهمة وهي أنه يقع بين دولتين إسلاميتين عزيزتين وهما إندونيسيا وماليزيا. أتمنى أن لا تتصاعد حالة التوتر بسبب «زنقة» مالقا، وأن يقينا الله شرور الاشتباكات العسكرية في كل مكان، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store