بيّنتُ في الحلقة الماضية أنّه منذ إعلان المملكة العربية السعودية أنّ جماعة الإخوان جماعة إرهابية عكفت وزارة التعليم بقسميها العام والجامعي على تنقية مناهجها الدراسية من الفكر الإخواني حيث استغل الإخوان مناهج التعليم التي تولوا وضعها لخدمة أهدافهم وترويج أفكارهم ممّا أدى إلى أخونة بعض أفراد المجتمع السعودي على مدى سبعة عقود، إلّا أنّه لا تزال شوائب هذا الفكر عالقة في بعض مناهجنا الدراسية بالتعليم العام لهذا العام، وفي مقدمتها:

تركيزهم على الترويج لدولة الخلافة القائم عليها منهج جماعة الإخوان، وكما نقل الأستاذ ثروت الخرباوي عن الإخواني أحمد أبو غالي قوله: «كانت دولة آل سعود شاخصة في ذهن البنا (حسن البنّا)، وكان يعتبرها الدولة (البروفة) لدولة الخلافة الإسلامية التي كان يرى نفسه من خلالها خليفة المسلمين»[ص219].

ويضيف عن أحمد أبو غالي قوله: "في عام 1935 عرض الشيخ حسن البنا على جدي (يقصد طنطاوي جوهري) أن يقوم بإنشاء تنظيم خاص للجماعة، وإنشاء هيكله وطريقته وبرنامجه وأهدافه.. وطلب منه أن يدرس تجربة المملكة العربية السعودية التي كانت ناشئة حديثًا".[ص 266]

ومن هنا نجد أنّ معدي منهج الدراسات الاجتماعية لأولى متوسط الفصل الدراسي الأول للعام الدراسي 1443هـ/2021م ذكروا أنّ الخلافة من النظم السياسية في الإسلام، ولم يذكروا غيرها كنظام حكم، وجعلوا الإمارة من النظم الإدارية، وتجاهلوا قيام إمارات كثيرة منفصلة عن الدولتيْن الأموية والعباسية مثل الإمارة الزنكية، وكذلك السلطنات مثل سلطنة سلاجقة خراسان، وعندما ذكروا البيعة والشورى كأحد الأنظمة السياسية قصروها على اختيار الخليفة ليثبِّتوا في الأذهان أنّ نظام الخلافة هو النظام السياسي الأوحد الذي قامت عليه الدولة الإسلامية مع أنّ:

1. الرسول صلى الله عليه وسلم أول من حكم في الإسلام ومؤسس الدولة الإسلامية، ولم يكن خليفة، وأُطلق لقب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على سيدنا أبي بكر رضي الله عنه لكونه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحكم، ولم يُعيّنه عليه الصلاة والسلام ليكون خليفة للمسلمين، وإنّما أشار إلى توليه الحكم من بعده بقوله: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" ولم يقل مروا أبا بكر ليكون خليفة المسلمين باعتبار أنّ الإمامة كانت من مهام الحاكم.

2. سيدنا عمر بن الخطّاب كان يُطلق عليه أمير المؤمنين، وكذلك سيدنا عثمان وعلي رضي الله عنهما.

3. لم يوجد نظام للخلافة يتم السير عليه، فكل واحد ممن تولى الحكم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضوان الله عليهم تولاه بالانتخاب بطريقة تختلف عن الآخر، وعندما انتقل الحكم إلى الأمويين تحوّل إلى حكم ملكي وراثي، وكذا الحال بالنسبة للعباسيين وحتى فترة الاحتلال العثماني الذي يُسمي الإخوان دولتهم بدولة الخلافة في حين أطلق حكّامهم على أنفسهم سلاطين ولم يُطلقوا خلفاء!

4. إنّ مصطلح الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والعثمانيين أطلقه المؤرخون وروّج له الإخوان المسلمون ولا سيما معدو وضع المناهج الدراسية في البلاد العربية، لأنّه كانت مناهجنا الدراسية تطلق على دولة العثمانيين "دولة الخلافة".

5. أمّا حديث: "عليكم بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" فمن حيث الإسناد فقد ضعّفه أما أبو الحسن ابن القطان، في «بيان الوهم والإيهام» (4/ 86 - 86): «ذكر من طريق أبي داود عن العرباض بن سارية: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة... وسكت عنه، وليس بصحيح، فإنّ أبا داود ساقه هكذا: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد، حدثنا خالد بن معدان، قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي، وحجر بن حجر، قالا: أتينا العرباض بن سارية فذكره. وحُجْر بن حُجْر هذا لا يُعرف، ولا أعلم أحدًا ذكره. فالرجل مجهول الحال، والحديث من أجله لا يصح. ذكره البزار واختاره، وهو أيضًا لا يصح؛ فإن يحيى بن أبي المطاع لا يُعرف بغيره، وهو في شيء من أهل الشام»

أما من حيث المتن، فالمعنى هذا لا يصح، فيما استند عليه لأنّ الله يقول في صريح القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾.

أمّا حديث” تكون النبوّة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوّة...."

فسأبحثه في الحلقة القادمة إن شاء الله، فللحديث صلة.