أتحدث هنا عن معرفة الناس، التي قالوا عنها: «معرفة الناس كنز لا يفنى»، يقول عباس محمود العقاد: «المحبة هي المعرفة الحقيقية وهي النور الذي يكشف لنا دخائل الحياة ويرينا ما في القبح الظاهر من جمال باطن وما في الأوزار من أعذار وما في الأغراض من تحيز وضلال يحيد بنا عن صدق المعرفة وسداد الحكم على أعمال الناس..». كلام العقاد مقتبس من مقالة طويلة عن تعارف الشعوب، من كتاب «ساعات بين الكتب».

إذن معرفة الناس لا بد أن تمتزج بالمحبة كي تنفذ بها إلى الجوانب الخيرة الخفية التي ربما يخفيها تصرف فظ ربما له أسبابه الخفية التي لا يدركها الآخر، ومعرفة الآخر سواء كان جاراً أو قريباً، أو زميل عمل أو حتى معرفة الآخر الغريب، أو معرفة سلوكيات بعض الشعوب، إذا تلازمت المعرفة مع النفور أو عدم الرضا لن تتمكن من المعرفة الحقة!.

من هم الناس الذين تمثل معرفتهم كنزاً؟ الكنز لا بالمعنى الأسطوري أو الخيالي الذي رسخ في أذهاننا بل كنز المحبة، والصديق وقت الضيق، لا الصديق الذي يعرفني وأعرفه وقت التسلية وقضاء الأوقات الممتعة، بل الصديق الذي أجده وقت حاجتي إليه، لأني عرفته بالمحبة التي نشأت بيننا فتوثقت الصلات وارتقت العلاقة بالمحبة، أصبح بيننا تواصل داخلي غير مرئي، يحرّضنا على السؤال ومعرفة الأخبار للاطمئنان لا لتلمس العثرات والزلات ومعرفة الآلام والأحزان، إلا ما يفضي هو به إليك، فتتحول إلى نسمة طرية وسط قيظ الآلام وحرارة الأحزان!.

يقول العقاد: «إنك بالمحبة تسبر قوة غيرك العاطفة التي تتسع وتعلو على قيود الأثرة والحصر وتنظر إلى الأشياء من غير الناحية التي تدور عليها المنافسات والمخاصمات»، معرفة المحبة هي المعرفة الكنز، الكنز الذي لا يشبه مغارة علي بابا والأربعين حرامي المكدسة بالغالي والنفيس من الذهب والماس، بل بما تكدس في النفوس من القيم والأخلاق التي تعلو على ذلك البريق المادي، أي أنك لا تنظر إلى الناس بمقياس القيمة المادية، أو بمناصبهم وأين يسكنون، وماذا يلبسون، بل بمقياس نفوسهم الغنية الأبية، هو هذا طريق معرفة الناس المفضي إلى المحبة.

لذلك اعتاد الناس على إطلاق بعض صفات الجواهر والمعادن على الناس، فمنهم جواهر لا تقدر بثمن، فلان كالجنيه الذهب، أو قلبه كالألماس، أما بالنسبة للصفة السلبية يقال مثلاً في المثل الشعبي المصري: «فلان لا يساوي نكله» وهي أصغر شيء في العملة المصرية قديماً لا أعرف إذا كانت لا تزال متداولة!. المعرفة الإنسانية الخالصة التي لم تلوثها المصالح، ولم تلطخها مشاعر الحسد والكراهية والبغضاء، هذه المعرفة هي الطريق إلى المحبة!

معرفة الآخر لمكانته الاجتماعية أو مركزه الوظيفي، لا تفتح باباً للمحبة، بل معرفة تنتهي بانتهاء أسبابها ودوافعها بل ربما تتحول إلى شكل آخر من العلاقة، إلى كراهية وتشويه لسمعة الآخر الذي لم تعد معرفته ذات جدوى، لأنه ترك منصبه مثلاً، أو انخفضت منزلته، فتفرق الضجيج من حوله!

الانسان هو الآخر مسؤول عن تحول علاقة الآخرين به إلى علاقة محبة، مهما كانت نواياهم نفعية أو علاقات بنيت على أساس المصلحة، لكن بعض الناس تعجبهم علاقتهم بالآخر عندما يكون في منصب أو مركز قوة، يستهويه احتياج الناس إليه وإذلالهم، لذلك يُترك إذا تَرك!. قالوا: الناس ثلاثة: معرفة وصداقة وإخوان، الصداقة عزيزة والأخ قلما وجد لكن افتح طريقا لمعرفة الناس بالمحبة تجد الثلاثة المعرفة والأخ والصديق!