احتفل العالم في الأول من أكتوبر الجاري -كما هي عادته كل عام- باليوم العالمي للمسنين لرفع نسبة الوعي بالمشاكل التي تواجه كبار السن كالهرم وإساءة المعاملة وللتعريف بحقوقهم واحتياجاتهم الصحية والوقائية، ولتسليط الضوء على الاسهامات الكبيرة التي يقدمونها لخدمة المجتمع، في إطار التنمية المستدامة التي تشمل جميع الفئات العمرية في المجتمع، وتستدعي تمكين المسنين وتعزيز مشاركاتهم الفاعلة.

ولعل ما تقوم به وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية من فعاليات في دُور الرعاية الاجتماعية وما تقدمه من برامج يؤكد مدى العناية بهذه الفئة من خلال التأكيد على القيم الإسلامية وإبراز دور المسنين في تنمية وخدمة المجتمع والاستفادة من خبراتهم المهنية والعلمية والتعريف بالجهود المحلية والعالمية لرعايتهم ورفع مستوى الوعي بحقوقهم.

حيث يتم تقديم الرعاية الشاملة الصحية والاجتماعية والنفسية لهم إضافة للمساعدات المالية والعينية والأجهزة التعويضية كالكراسي المتحركة والأسرَّة والسماعات وبرامج الرعاية المنزلية، وتلك جهود تُذكر فتُشكر.

كل ذلك يسير باتساق مع استراتيجية المملكة لرعاية كبار السن وفق المادة 27 من النظام الأساسي للحكم التي حفظت حقوق المسن في سياق رعاية المواطن واسرته وكفالة حقوقهم عند المرض والعجز والشيخوخة، وهو ما يحقق رؤية المملكة 2030 في التنمية المستدامة.

وإن كانت ذاكرتنا الجمعية تحتفظ بصور مشرقة لنماذج كثيرة في مجتمعنا قدمت أجمل صور البر بالوالدين، إلا أنها تحتفظ أيضاً بصور مأساوية قاتمة عن بعض الحوادث التي وقعت لمسنين من أبنائهم وذويهم وانتهت إما بالاعتداء اللفظي بكل ما يتركه من تداعيات نفسية، أو الإيذاء الجسدي أو حتى الإقدام على القتل، في أبشع صور للعلاقات الإنسانية، والتي كان آخرها قيام أحد المواطنين في مكة المكرمة بالشرائع قبل أيام بقتل والديه طعناً!!، في تجسيد كريه (كالح) لأسوأ صور النكران والجحود واعتلال الفطرة السوية.

مثل هذه الصور المأساوية -رغم قلّتها- الا أنها تؤكد الحاجة الملحة الى استمرار نشر الوعي تجاه الحقوق النفسية والاجتماعية والاقتصادية لهذه الفئة العزيزة.

من هنا تبرز أهمية زيادة حملات التوعية في المدارس والجامعات والاعلام والمنابر بما ينبغي تقديمه لكبار السن، وضرورة دمجهم في المجتمع، والاستفادة من خبراتهم التراكمية، وكم نتمنى ان تحتضن الأسر المقتدرة هؤلاء المقطوعين بدلاً من دور المسنين حفاظاً على صحتهم النفسية، وأن تقدَّم لهم المزيد من البرامج التثقيفية والرياضية.

وفي ظل تأثير التغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة في مجتمعنا على تكوين الأسرة السعودية وتحولها من أسرة (ممتدة) الى أسرة (نووية) وتداعيات ذلك على العلاقات الاجتماعية فإن الأمر يستلزم تقديم مزيد من الرعاية والحماية لهذه الفئات من خلال اضطلاع مختلف المؤسسات بمسؤولياتها الاجتماعية تجاههم وصولا لتحقيق جودة الحياة، إضافة الى تقديم التسهيلات لهم في القطاعات الخدمية والاستفادة المستمرة من خبراتهم، والارتقاء بالتعامل معهم وصولاً الى تحقيق الاستقرار العاطفي والدمج الاجتماعي لهم، وذلك لعَمْري قليلٌ في حق فئة أفنت أعمارها لتضيء طريق مستقبلنا.

أليسوا جديرين بجل اهتمامنا استرشاداً بقوله تعالى: (وبالوالدين إحسانا).. وقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا".

وقفة: وأنا أكتب هذا المقال مرَّت بنا أمس ذكرى أخرى عزيزة على قلوبنا هي ذكرى اليوم العالمي للمعلم.. الذي تقصُر الكلمات أمام شموخ عطاءاته، ولكننا نقول لمعلمينا ومعلماتنا: "لكم الحب والإجلال لأنكم صانعو الأجيال".