توقفتُ في الحلقة الماضية عند الحديث الثاني الذي يستند عليه الإخوان المسلمون للتخطيط والعمل من أجل إقامة «دولة الخلافة»، وهو:»تكون النبوّة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضًا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوّة». ثم سكت. قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز، وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه، فقلت له: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين، يعني عمر، بعد الملك العاض والجبريّة، فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز، فسر به، وأعجبه”. [مسند أحمد: 18031] فهذا الحديث بغضّ النظر عن أنّه حديث آحاد تفرّد به داود بن إبراهيم، فهو حديث ضعيف، إن لم يكن موضوعًا، ففي سنده داود بن إبراهيم الواسطي، وهو متروك وكان يكذب.

ومن حيث المتن، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يُعيّن خليفة بعده، وفي اجتماع السقيفة، قال أحد الأنصار للمهاجرين، أمير منّا، وأمير منكم، وهذا أكبر دليل على عدم صحة الحديث. هذا وليتمكّن الإخوان من إقامة دولة الخلافة، فهم يستحلون دماء المسلمين بالحكم عليهم بالردة لإباحة قتلهم وقتالهم، مستغلين ما جاء في الفقه الإسلامي من إباحة قتل المرتد رغم أنّه لم ترد في القرآن الكريم ولا آية واحدة عن قتل المرتد أو أية عقوبة دنيوية إلّا أنّنا نجد معدي منهج التوحيد 2 مقررات الوحدة الثامنة درس التكفير للمرحلة الثانوية قد أخذوا بأحاديث تخالف القرآن تقول بقتل المرتد لورودها في الصحيحين، وبذلك خالفوا شروط الحديث الصحيح الذي يؤخذ به؛ إذ نجدهم يستدلون بحديث في صفحة (152) يخالف القرآن: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أنّ لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله إلّا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزّني، والنفس بالنّفس والتّارك لدينه المُفارق للجماعة.» رواه البخاري في كتاب الدِّيّات، حديث رقم (7878) ورواه مسلم في كتاب الجنايات، حديث رقم (1169).

فهذا الحديث غير صحيح لمخالفته القرآن الكريم؛ إذ لا توجد آية قرآنية عن قتل المرتد ولا رجم الثيِّب الزّاني، فلا توجد في القرآن عن عقوبة الزاني إلّا آية (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)، ولم تحدد الزانية والزاني بِكريْن أم ثيِّبيْن ولا توجد في القرآن آية واحدة عن رجم الثيّب الزاني، أمّا عن المرتد فالله جل شأنه يقول: ﴿إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ ثُمّ كَفَرُواْ ثُمّ آمَنُواْ ثُمّ كَفَرُواْ ثُمّ ازْدَادُواْ كُفْراً لّمْ يَكُنْ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾[النساء:137]، هذه الآية تبين أنّه مهما كفر الإنسان لا عقاب دنيوي عليه، وإلا لكان مناسبًا في هذه الآية ذكر حكم الردة أكثر من غيرها، لأنّ هناك رده متكررة، فإن كان حكم الردة القتل، لقُتل من أول ردة، ولكن تكرّرت الردة، فهذا يعني لا عُقوبة قتْل للمرتد، بل لا توجد عقوبة دنيوية على الإطلاق، وإن كانت هناك عقوبة دنيوية غير القتل يفترض أن يزيد فيها العقاب، ويكون أشد من الردة لمرة واحدة إلّا أنّ النص عاقبهم بعدم مغفرة الله وعدم هدايته لهم، وقد دلت الآية على أنّ الإنسان قد يؤمن ثم يكفر ثم يؤمن وهكذا، ولو كان هناك حد ردة لما حصل الكفر ثم الإيمان أكثر من مرة لأنّه سيعدم الكافر من أوّل ردة له.

﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوَاْ إِلاّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لّهُمْ وَإِن يَتَوَلّوْا يُعَذّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾[التوبة: 74]، وهذه الآية تبين أيضًا أنّ جزاء المرتد يكون من عند الله في الدنيا والآخرة وليس بيد بشر عقاب المرتد. وعذاب الله في الدنيا للمرتد يبين أنّه لا وجود لحكم ردة، وإلا لو تم إعدام كل مرتد بعد ثلاثة أيام كيف سيعذبه الله في الدنيا كما ذكرت الآية.

﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّىَ يَرُدّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[البقرة:217].

هذه الآية تبين بما لا يدع مجالاً للشك أنّ الذي يرتد عن الإسلام عقابه في الآخرة وليس عقابه القتل في الدنيا وخصوصًا أنّ الآية اشترطت للعقاب الأخروي أن يموت وهو كافر، والحكمة من ذلك أنّ الله ترك باب التوبة مفتوحاً مدى الحياة، فقد تتغير قناعة الإنسان في أي وقت، بينما واضعو الأحاديث حددوا مدة التوبة بأيام معدودة مناقضين ما ورد في الآية السابقة. وممّا يجدر ذكره أنّ فضيلة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب قال في البرلمان الألماني عام 2016 إنّ القرآن ليس فيه ما يفيد بعقوبة المرتد.

فدرس التكفير مطروح بطريقة توحي بتكفير المسلم وتُصرّح بقتله، وهذا ما يحرص الإخوان على غرسه في عقولنا وعقول أولادنا وبناتنا ليبرروا قتلهم للمسلمين المخالفين لفكرهم لبسط نفوذهم، ومن يُجنِّدونهم للانضمام إلى جماعتهم، أرجو حذفه من المقرر وتنقية هذا المنهج من شوائب الفكر الإخواني.