Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
سهيل بن حسن قاضي

الاعتذار.. قيمة أخلاقية

شذرات

A A
جاء الإسلام بالقيم النبيلة والمبادئ الأصيلة لكي تصلُحَ حياة البشر، لعل من بينها خلقاً رفيعاً يدل على نقاء قلب صاحبه، ذلكم هو «الاعتذار» عندما يخطئ الإنسان. ونستشهد بموقف النبي موسى عليه السلام وهو يقول للخضر عليه السلام بعد أن اتفقا على أن لا يسأله عن شيء حتى يتكلمَ الخضرُ فيه، وبالتالي عندما خرق الخضر السفينة، قال موسى (أخرقتها لتفرق أهلها لقد جئت شيئاً إمرا)، قال الخضر (ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً)، فاعتذر سيدنا موسى وهو من أولي العزم من الرسل (قال لا تؤاخذني بما نسيت....). فالاعتذار يغسل القلوب ويزيل الِمشاعر السوداء التي تتراكم، ويزيل مشاعر الانتقام. والاعتذار لا يصحح علاقات البشر فحسب، ولكنه جزء من تصحيح علاقة العبد بربه، وربُّ العزة لا يحب الظالمين.

والإنسان الذي يخطئ ولا يتراجع ويعتذر هو إنسان ظلوم، وسيد البشر نبينا محمد اعتذر لابن أم مكتوم، وكان يقول له إذا رآه: «مرحباً بمن عاتبني فيه ربي»، ثم يعتذر لأهل المدينة في مسألة تأبير النخيل وقال: «إنني ظننت ظناً فلا تأخذوني بالظن».

ونستشهد أيضاً بموقف آخر لمن لا يقبل العذر، ففي إحدى المرات أغلظ سيدنا أبو بكر الصديق في بعض قوله لسيدنا عمر، فانصرف عمر غاضباً وتبعه أبو بكر يمشي خلفه ويعتذر، ولا يلتفت إليه عمر حتى دخل بيته، فذهب أبو بكر لرسول الله يقص عليه ما حدث، وما هي إلا لحظات حتى جاء سيدنا عمر فوجد الصدِّيق على ركبتيه بين يدي رسول الله ويقول: يارسول الله أنا كنتُ أظلمَ، فغضب سيدُ البشر من موقف عمر ولامه على عدم قبول العذر.

وكلنا نذكر موقف سيدنا يوسف وإخوته وحجم الإساءة التي وقعت ولكن عندما قالوا معتذرين (تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين)، قبل عذرهم وقال: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الرحمين).

بعض الآباء إذا أخطأوا في حق أبنائهم لا يعتذرون، ومنهم من يسلم مسالك المغالطة، وينسى بعضهم بأن الأنبياء قد اعتذروا. والاعتذار ليس شرطاً أن يكون بالقول الصريح فهناك وسائل عديدة وقيم أخرى للاعتذار منها الزيارة الشخصية، والمهاتفة والسؤال وتقديم الهدايا.

وإياك وما يُعتذر منه، فاحرص على أن لا تخطئ واسلك بنفسك، وإن أخطأت فاعتذر.

وما أجملَ ثقافةَ الاعتذارَ حين تنتظم في عِقد الحياة الزوجية، فتكون كالوصفة السحرية التي ترتقي بها لتعيد بناءها على أسس من المودة والرحمة، بما يُذيبُ الحواجزَ بين الزوجين ويُوطِّدُ علاقتَهما ويُشْعِرُ كليهما بمكانتِه عند الآخر.

هذا المقال مستوحىً من خطبة الجمعة للشيخ الدكتور إبراهيم الزهراني التي ألقاها في مسجد الأمير سلطان بحي الشاطئ بجدة قبل عدة أسابيع.

ولعل هذه الخطبةَ هي نموذجٌ حي لما ينبغي أن يتناوله الخطباءُ من مواضيعَ تناقش قضايا المجتمع وتعالج مشكلات الناس وتراعي مُقتضى أحوالهم.. وهذا يعني ضرورة انتقاء الخطباء، وضرورة تواصلهم مع الناس وملامسة همومهم.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
تصفح النسخة الورقية
X