Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
شريـف قـنديـل

أواه! أمهات قريتي المكلومات يسألنني: لماذا لم يأخذنا الله؟!

A A
يالوعتي! قريتي الوادعة باتت في أسبوع واحد مقصورة للأحزان والتراتيل، وشرفة مطلة على هواجس الخوف والشك والتأويل!.

أكتب المشهد كما هو أو يكتبني! أكتب من أول حرف يتحملني! من آخر حزن يسكبني! أسبوع وجع وهم وغم.. فقبل حلول المساء، تجتمع الأشباح، فتهمس فيما بينها ثم تبتعد.. وفي الصباح يحط طائر أسود فوق كل بيت.. يقطر من جناحه دم!، فوق قريتي سحابة سوداء.. وبين وقت وآخر ينطلق النداء.. البقاء لله والدوام لله.. تشيع الجنازات من مسجد الرحمة حيث تسجى جثامين الشباب العترة والمعطرة!، مع زوال الشمس، يكثر الهمس.. يلتصق المساء برجفة القلب المكابر.. يتألق الحزن ويصبح طائراً ليلياً بين البيوت والمقابر!، كانت الأمهات في قريتي يسألنني: لماذا اختار الله أولادنا الى جواره، ولم يخترننا؟!

والذي حدث أن القرية في أسبوع واحد، ودعت نحو سبعة من شبابها، تاركين أمهاتهم لنار الفقد واللوعة!، كانت أمهات القرية حين دخلت بيوتهن يشربن دمعهن، ويوزعن الشجن.. وكانت الأخوات يتبادلن الأسى ويطلقن آهات تطن، فيما كانت قلوب البنات تئن!.

كنت قد نزلت قريتي متأخراً، ولأنه لابد من تأدية واجب العزاء، فقد بدأت بالسيدة «نوال» زوجة أستاذي الراحل وأم صديقي «مجدي».. تجلس السيدة على الأرض مطرقة الجباه، قبل أن ترمقني بنظرة كأنها تطلب النجاه!

وحوش كاسرة وجارحة، ودموع سارحة.. فالبارحة كانت خيول الموت داهسة وجامحة.. إنه الحبيب الثالث الذي فقدته هذا العام بعد شقيقها العمدة وضناها الأول والثاني!، تسألني السيدة «نوال» وما أقساه من سؤال: لماذا لم يأخذني الله، ويترك «مجدي» لأولاده؟!

نستغفر الله معا، وتدور بعينها في كل اتجاه! أحكي لها قصة ابراهيم ابن رسول الله!، أخرج من بيتها الى بيت شقيقتها السيدة «حميدة»، زوجة الراحل عبد الله زينة التجار، وأم الفقيد الشاطر الماهر «محمد»!

أجلس أمامها على الأرض، نتذكر كيف كان وكان.. فتى صامداً كما تكون الجبال، لكنه فجأة غافلها وزال!، كان بالفعل جبلاً واندثر.. لم يكن ككل أقرانه من البشر!.

والواقع أن السيد «حميدة» خدعتني وهي تستقبلني وأوهمتني بالعزيمة.. قبل أن تضمني وتفاجئني بالنحيب.. أواه يا صدر الحبيب.. أواه يا ابن الحبيبة والحبيب!، أينا كان الأولى والأجدر؟!

حتى تأخذ قرارك وترحل.. تختلي بالموت وحدك.. ما الذي يغريني للعيش بعدك؟!

مات «محمد» الفتى الذي كان يتهيأ للموت بزراعة «الكسبرة» والذي ترك في كل بيت وفي كل نفس موقفاً وتذكرة!

تأخذني نوبة حزن وندب وشجن.. آه يا عزيزي ايهاب!

لك أم تعرف مدى حبها لك وتموت؟!

سبحان ملك الملكوت.. كيف تتركها وحدها تسبح في دمع أساها؟!.

كانت «صباح» تناديه حبيبي.. هكذا كانت تسميه وتنادي عليه، وتسمي باسم الله على صدره ورأسه وعلى عينيه.. على شهامته ومروءته وأنبل ما فيه!.

وهذه أم ظلت تخزن دمعها، وتحجز حفنة من نومها، انتظاراً لوصول ابنها لعمله، قبل أن يأتي الخبر ليملأ وجهها بالتجاعيد، ويترك الحزن يتملكها ويسري في مفاصلها من الوريد الى الوريد!!.

انه كأس الفقد الذي دار من دار لدار حول أمهات أعياهن التعب.. كن يرددن لي كل لحظة: نحن الى الموت أقرب، فلماذا اختار جل شأنه قطعاً من القلب؟!.. كانت أمهات قريتي المكلومات يسألنني عن أسرار وحكمة الفقد.. وأنا من الصدمة والإعياء لم أستطع الرد.. كن معي ومعهن يارب! تلاحقني نظرات الأطفال.. تطاردني.. تطلب مني أن أقسم أن الغائب سوف يعود.. كي ينثر الضحكة في كل الدور والبيوت! وأنا أتعثر .. أتلعثم.. هل أشير بيدي لهم وأعلن أن الراحل داخل، أم أهرب بأنيني المكبوت؟!. تصورت أنني دربت نفسي بما فيه الكفاية للقاء أمي الثانية «أم علي» التي لم ألتقها بعد رحيله بعد!، أعرف أنها تسكن في الدور الرابع، لكني كنت أتعمد أن أخطئ في العد! حتى جاء الرد! ليست في الداخل! رحت أعاتبها!

هي تعرف مدى حبي لها! كيف لم تدرك أن قلبي العليل في حاجة لها.. وأن ابنها الرابع جاء ينثر عطر الشوق عليها مقبلاً يديها؟!.

غادرت القرية، وعند مدخلها.. اكتشفت أن البيوت صارت أضرحة، وأن القبور أضحت قباب نور، وأنا أمضي مسبحا وباكياً في صمت، حكمتك يارب.. تدور عجلة الأعوام، وتضيق المسافة بين الحياة وبين الموت.. بين الأرض وبين العشب.. تتولد أزهار الألفة، وورود الحب.. تتدفق سير الأرحام، وكأن الأحياء هم الأموات، وكأن المدفونين يعودون!.

مررت ببيوت أبي وأعمامي وأخوالي، وخالاتي وعماتي، وأصهاري، وأختي وأخي فوزي، وسلمت على الأخوين توفيق وبلال، وابن عمي هلال، وحين أبصرت قبر «علي» رفرفت حولي فراشات الوفاء، وأنا أتخيل محياه الجميل.. وكان صوت «أحمد» يأتيني من بعيد كالهديل.. «علي» جاءني في الحلم!

يقول لك اطمئن! هو بأمر الله في الجنة يقرأ ما تيسر من التنزيل!.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
تصفح النسخة الورقية
X