مما لا شك فيه، أن معظم مسلمي العالم يشعرون بارتياح كبير عندما يقبل شهر ربيع الأول من السنة الهجرية، كلنا يتخيّل أن هذا الشهر شهر مفصلي في تاريخ الإسلام؛ لما ترتّب عليه من مخاضات وإرهاصات منذ فجر ولادة نبي العالمين وسيد الأولين والآخرين محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه أجمعين.

العالم كله يحتفل بمناسبات كثيرة يفخر بها، ونحن كجزء من هذا العالم؛ نفخر بمناسباتنا التي تتميّز في بعضها عن الأخرى بمباركة السماء لها؛ لأنها على حقّ أبْلَج كَفَلَقِ الصبح، وهي فترة مولد الهدى والنور لمشارق الأرض ومغاربها إلى قيام الساعة.

ولأهمية هذا الحدث، وتباين ثقافة المسلمين، ووجودهم في شتى أصقاع العالم؛ أصبح من الضروري للعلماء والمشايخ في العالم الإسلامي وضع ضوابط ومعايير شرعية لضبط الاحتفاء بمناسبة المولد النبوي الشريف، فما نشاهده اليوم في بعض البلاد الإسلامية من تجمّعات فيها اختلاط الرجال بالنساء، وطبول ورقصات عجيبة، يمارسها هؤلاء، وينشدون جماعةً بأناشيد ليس لها أصلٌ في الشرع الحنيف، فتتربّى أجيال من البنين والبنات على هذا المنوال الباطل، نعم هو باطلٌ؛ لأنهم لا دليل لديهم بأن ما يفعلونه فَعَلَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أو صحابتُه الأجلاّء، وهذه آيةٌ مُبِينَةٌ صريحة في القرآن الكريم من سورة آل عمران:31 تقول: (قُلْ إن كنتم تحبون اللهَ فاتّبعوني يحببْكم الله ويغفرْ لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).

إنها عادة اخترعها الفاطميون في مصر، فاتّبعَها الجهلاء، والْتَحقت بهم فِرقٌ وطوائف الدراويش بلباس عجيب وحركات غريبة، أقرب إلى مهرجانات البلدان غير المسلمة.

* كثيراً ما يسود لغَطٌ ومناقشات حول استعمال كلمة «سيدنا محمد».. أنا لست مفتياً لأصدر فتوى في هذا الموضوع الذي لا يحتاج أصلاً إلى فتوى، والمحاذير التي يعلن عنها علماؤنا الكرام؛ إنما هي لمواجهة الغُلاة الذين يستخدمون كلمة «سيدنا محمد» بدون ضوابط شرعية، ومن هذه الضوابط عدم استعمالها في داخل الصلاة عند قراءة التشهد، فكل الصلاة من أوّلها حتى آخرها توقيفية، لا يجوز فيها أبداً حذف كلمة ولا إضافة كلمة، ويجب أداؤها كما أدّاها رسول الله عليه الصلاة والسلام، أما خارج الصلاة فتوجد أدلّة كثيرة تسمح باستعمال عبارة «سيدنا محمد»، ألمْ يقلْ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله من الصحابة رضوان الله عليهم عندما أقبل عليهم الصحابي سعد بن معاذ، «قوموا إلى سيدكم؟» وذلك من باب التوقير والاحترام لشخصه، ألمْ يقلْ الفاروق رضي الله عنه: «أبوبكر سيدُنا، وأعتق سيدَنا» يعني بلالا.

لا داعي لتحميل كلمة «سيدنا» أكثر مما تحتمل، ونحن نستعملها احتراماً ومحبةً لآبائنا وأساتذتنا ومشائخنا، ولكل من له فضلٌ ومعروفٌ وجميلٌ علينا، ولا حرَج في ذلك، وهنا يوجد سؤال مفْصلي وهو: من هو أعظم منزلةً وأرفع درجةً في ميزان النبوّة، النبي يحيى أم رسول الله محمد عليهما الصلاة والسلام؟

إن الله تبارك وتعالى قال عندما بشّر زكريا بغلام وسمّاه «يحيى»، وصفه في آية أخرى في سورة آل عمران:39 بأنه «وسيداً وحصوراً»، ألَا يحقّ لنا وهو نبي الثقلين وسيد الأنبياء والمرسلين أن نقول له إجلالاً وتوقيراً وإيماناً ومحبّةً: سيدنا محمد؟ بلى، لاسيما وقد أشركه الله تبارك وتعالى معه في كلمة التوحيد لكل من يعتنق الإسلام.