لاتزال الأسئلة حائرة تبحث عن إجابة..

ماذا بعد إنشاء مجموعة من الهيئات المتخصّصة التابعة لوزارة الثقافة..

ما مستقبل الأندية الأدبية في المرحلة المقبلة، وخاصة أن هناك تفكيرًا بإنشاء جمعية للأدب والأدباء على مستوى المملكة، سيكون لها فروع في مختلف المناطق.. كيف يرى أصحاب الشأن هذا التفكير.. وهل سيكون بديلا للأندية الأدبية؟..

«المدينة» طرحت هذه الأسئلة على عدد من المثقفين، وما مقترحاتهم لصياغة صورة جديدة للأندية الأدبية..

الأندية الأدبية إلى أفول

بداية يقول الناقد محمد العباس: أعتقد أن مرحلة الأندية الأدبية تقترب من النهاية بدليل أن وزارة الثقافة لم تتطرّق لها في خطتها الاستراتيجية للفترة المقبلة، بعد أن كان الحديث يدور حول إعادة هيكلتها أو استدماجها، وهو ما يعني أنها خارج اهتمام الوزارة، وبمعزل عن أي تصوّر ثقافي للمرحلة المقبلة، وبالمقابل نلاحظ اهتمام الوزارة بإنشاء كيانات بديلة ستوكل إليها المهمات الثقافية مستقبلًا بمقتضى تخصّصات في مختلف الحقول، حيث تم الإعلان عن جمعية الفلسفة، وجمعية السينما، ومن المتوقع الإعلان قريبًا عن جمعية الأدب وهكذا.. الأمر الذي يشي بانتفاء الحاجة للأندية الأدبية، مع ملاحظة أن توجّه الوزارة يؤكد على الاستثمار في الثقافة من منظور اقتصادي، بمعنى التقليل من تقديم الإعانات المادية للكيانات الثقافية، وهو توجّه يشجع على إنهاء دور الأندية الأدبية التي تشكل عبئًا ماليًا، لصالح الجمعيات الأهلية التي تنتمي لما يُعرف بالقطاع الثالث، وهذا هو ما يرجّح كفة الجمعيات الجديدة وينذر بانتهاء دور الأندية الأدبية.

ويضيف العباس: جمعية الأدب ستكون هي الجامع للأدباء ولكل النشاط الأدبي على مستوى المملكة، ومن المبكر الحكم عليها قبل أن يُعلن عن مجلسها التأسيسي وبرنامجها الثقافي الذي يجب أن يؤكد بالضرورة على جدول زمني لترتيب انتخابات، وقد تكون الجمعية خطوة متقدمة مقارنة بما كانت تؤديه الأندية الأدبية، خصوصًا إذا تمكنت من إقناع الأدباء بالانتماء إليها وقبول عضويتها، وهذه مهمة تحتاج إلى جهد ثقافي كبير، لأن الأدباء الذين طالما حلموا بكيان ثقافي يجمعهم على مستوى المملكة يحتاجون إلى برنامج عمل مقنع، بل محفّز، أكثر مما يتطلب من الوعود وإعادة إنتاج ذات الأسماء التي كانت تستحوذ على المشهد.

الأندية الأدبية كما قلت إلى أفول، وقد أُعطيت من الوقت ما يكفي لتجديد خطابها والتعامل بعصرية مع مستجدات المشهد ولكنها لم تستغل الفرص، ولئلا نقع في التعميم، هناك أندية أدبية كانت فاعلة وقابلة للتحديث مقابل أندية كانت مجرد هياكل فارغة. كما مر على الأندية أسماء إدارية واعية ومسؤولة وتستحق أن تكون ضمن جمعية الأدب مقابل أسماء لم تترك أثرًا يُذكر، ولذلك لم يعد بمقدور ذلك الحرس القديم إلا التسليم بالأمر الواقع وإفساح المجال للطاقات الجديدة التي تمثل السعودية الجديدة وبمقدورها التماهي مع رؤية 2030 لئلا تكون الثقافة على هامش التنمية.

خلق حراك جديد

ويرى الدكتور عبدالله الحيدري -رئيس مجلس إدارة النادي الأدبي بالرياض سابقا- أن الأندية الأدبية تمثّل مرحلة من أزهى المراحل في حياتنا الثقافية، وهي توشك على إتمام نصف قرن من عمرها الحافل بالمنجزات، وقال: قبل الإجابة على السؤال (ما مستقبل الأندية في المرحلة المقبلة؟) فإنني أتمنى رصد حقبة الأندية الأدبية في كتاب وثائقي يرصد كل ما يخصّها مع الصور ووثائق التأسيس واللائحة المنظمة لعملها؛ لتكون بين يدي الباحثين، وأما التنظيم الجديد الذي تعتزم وزارة الثقافة العمل به بالشراكة مع وزارة الموارد البشرية فهو قالب جديد أرادت من خلاله خلق حراك جديد يتواكب مع المرحلة ومع الأجيال الجديدة، ومن المهم أن يتولى تأسيس الكيانات الثقافية المقبلة نخبة من الأدباء ذوي الخبرة ومن الشباب ذوي الحماسة كي نصنع حراكا ثقافيا مبهجا يردم الفجوة ويسد الخلل فيما إذا ألغيت الأندية الأدبية القائمة حالياً، وآمل ألا يتردّد ذوو الخبرة والممارسة الثقافية عن المشاركة في تأسيسها وتفعيلها، وألا تترك إلى جيل جديد بلا خبرة فتتسع الفجوة بين الأجيال، والله أسأل للقائمين عليها التوفيق والسداد، وسأحاول بإذن الله المشاركة بقدر الوقت والطاقة والصحة في الكيانات الجديدة فيما إذا طلب مني ذلك.

مستقبل غامض وضبابية كثيفة

ويضيف الدكتور أحمد الهلالي -المسؤول الإداري بأدبي الطائف- بقوله: مستقبل الأندية الأدبية غامض، تحيطه التوقعات المتباينة بضبابية كثيفة، فإلى الآن لم يصدر قرار أو تصريح رسمي من وزارة الإعلام التي تملك قرار الأندية حاليًا، ولا من وزارة الثقافة التي يتوقع أن تؤول إليها، وكل ما يتداول لا يعدو توقعات أو تكهنات بعضها كالأماني بحسب دوافع المتكهن وموقفه من الأندية، لكنني على ثقة بحصافة المسؤول الذي لن يلقي بمسيرة (نصف قرن) في ريح قرار عاصف، فعلى أكتاف هذه الأندية نما الأدب السعودي وازدهر، ويجب أن تستمر المسيرة، بما يواكب المرحلة ولا يهمل العمق التاريخي والمنجز العريض.

إن جمعية الأدب السعودي، فكرة رائدة لكن بشروط، أولها أن تقوم إلى جوار الأندية الأدبية لفترة تجريبية، لتؤدي دورها المأمول في خدمة الأدب والأدباء في شتى مناطق المملكة، على أساس يحقق رؤية 2030، وأن تعمل على أن تكون الثقافة رافدا اقتصاديا، وثانيها أن تعمل بآليات ومرجعيات وحوكمة تختلف عما ألفنا في الجمعيات القائمة في تخصّصات أخرى لا نحس لها ركزًا إلا وقت انتخاب مجالسها، ثم إذا حققت النجاح المأمول جاءت الخطوة الثانية بدمجها مع الأندية الأدبية في كيان واحد يحقق الأهداف المرجوة، أما من جهة التصوّر الذي أراه مناسبا للأندية الأدبية، فالقضية لدينا ليست قضية مسمى (نادي أو جمعية أو مركز ثقافي) بل قضية «إنتاجية وأثر» وعلى هذا الأساس فالأمر لا يعدو إعادة النظر في لائحة الأندية الأدبية (المتعثرة) وضرورة إعادة صياغتها بما يواكب المرحلة ويحقق شروط الحوكمة والشفافية، وينفض عن ردائها أخطاء اللوائح السابقة، فهي منشأ أغلب النقد الموجه إلى الأندية، وليس من المنطقي أن تمحى الأندية بكل تاريخها وأثرها في المشهد الثقافي السعودي والعربي، ونبدأ العمل من جديد على تأسيس كيانات جديدة، ستؤدي ذات الدور في النهاية.

إعادة هيكلة الأندية الأدبية وجمعيات الفنون

من جانبه، يؤكد الدكتور نايف رشدان -المتخصّص في الأدب والنقد- وجود تداخلات بين جمعيات الفنون والأندية الأدبية، ويرى من الضروري إعادة صياغة الهيكلة الخاصة بالجمعيات والأندية الأدبية، لاسيما أن وجود هيئة للأدب تمثل علاقة وطيدة بالأدب وبنفس المشروع الذي تقوم به الأندية والجمعيات، وقال: اعتقد من الضروري أن يكون هناك إما توأمة أو دمج أو تفريعات بمعنى أن يكون بكل مدينة نادي أدبي يحمل صورة أو عنوانًا يكون ممثلا لهيئة الأدب، لأن انفراد الأندية أو الجمعيات بالعمل دون ارتباط بهيئة الأدب سيثير كثير من القلق والخلل، وبالتالي يكون هناك ملل من عملية تطوير المشهد الثقافي، نحن في حاجة إلى ان يكون العمل مثمرًا وناجحًا بغض النطر عن استقلالية نادي أو جمعية أو دمج، أهم شيء أن يكون هناك نجاح يخدم الحركة الثقافية ويخدم الأدباء والمثقفين ويجعل الصورة واضحة بالنسبة للعمل الأدبي، لأن هناك ضبابية في بعض الأمور خصوصًا الأندية الأدبية الآن شبه مشلولة إلا من النشر، كذلك جمعيات الفنون التي شعرت أن هناك هيئتان تتنازعها هيئة للفن التشكيلي وهيئة الأدب، فبالتالي لابد من إعادة النظر أو إيواء واحتواء مثل هذه المناشط والجمعيات والمؤسسات الثقافية.

أما عن الجمعيات الثقافية فإن كانت هيئة الأدب ستحتوي وتضم المؤسسات الثقافية والأندية الأدبية والجمعيات فاعتقد الحل المقبول أن تكون هناك في المناطق فروع لهيئة الأدب تمثلها وتكون روافد لها، وإن كانت جمعيات الثقافة والفنون في صورتها المتوقعة أو المقترحة منفصلة وذات استقلالية في العمل فأرى أن يُحدد عملها بما لا يتداخل مع عمل هيئة الأدب هذا من جانب.

ومن المقترحات التي أراها فهي كثيرة، وأرى أن الجوانب الحضارية والأخلاقية جنبًا إلى جنب مع الجوانب الإبداعية مهمة جدا، فالتناحر والخصومات الأدبية أو اختلاف التوجهات والنظر إلى الآخر وكأنه خصم لأنه في تيار فني مخالف أو مجانب، فلمست في مشهدنا الثقافي أن من كان مع قصيدة النثر فهو خصم للقصيدة البيتية، ومن كان مع القصيدة العمودية فهو محارب لأصحاب النثر، وقس على ذلك في كثير من التوجهات، فيجب أن يُحترم توجّه كل أديب ومبدع وهذا أهم منطلق من منطلقات التميز والعمل، أما الشللية والشعور بنبذ الآخر ونفيه وربما يصل إلى سحقه لأنه يمثل تيارًا أو يمثل توجهًا أو يمثل نوعًا من أنواع الأدب فهذا ليس موجودًا في العمل الذي ينشد التميز، وأحيانًا لمسنا هذا الجانب لأن فلانًا يمثل اتجاهًا معينًا ولا يدعونه لهذا المؤتمر، وهذه الصراعات أنا ضدها، وأنا عملت في الصحافة وفي الصفحات الثقافية وأتيحت لي فرصة التشفي في مثل هذا الجانب لكني أنكرته لإيماني التام بأن العمل للجميع والساحة للجميع، هذا في مسائل الاختلاف فيما يتصل بالجوانب الفنية، أما إذا كانت المسألة أن يكون إبداعيًا ويُصنف على أنه مبدع وهو ليس كذلك، هذا فيه إساءة للمشهد وليس من اللائق ان تكون ضمن كوكبة المبدعين وينضم إليك كاتب موتور أو شاعر لديه خلل إيقاعي أو في الأسلوب وكذلك في القصة، هذا كلنا نتفق على أن لا نصنّفه ضمن كوكبة المبدعين، وهذا الخلط الذي نجده الآن.

المقترح الثاني أن تكون الجمعيات بعد أن جرّبت كم جيل من الأجيال الثقافية أن تلتفت للواعدين المبدعين من الشباب وأن تحفل بالعناية بانتماءاتهم المتوسعة، وأرى بأن العناية بجمعيات الثقافة والفنون -إذا رأوا أن تنفصل عن الهيئة- أن تكون لها استقلاليتها ويكون لها هيئة ليست إدارية بل هيئة أدبية تنظر على كثير من البرامج والإبداعات والأسماء والتمثيل الخارجي، كذلك أرى أن يكون هناك ورشات عمل إبداعية للجمعية وعقد شراكة مع المجتمع، فالمجتمع الآن فيه كثير من المتغيرات والمستحدثات، ولذلك حتى تكسب جيلاً إبداعيًا مثقفًا لابد أيضًا أن تعقد معه ورشات عمل ولقاءات، وأيضًا عقد شراكة مع الإعلام الجديد الذي الآن يعلو صوته وأعتقد أنه إذا خدم الثقافة سيكون لصوت ثقافتنا شكل جديد وعناية مميزة.