سبق وأن تطرقتُ إلى درس النسخ في القرآن الكريم أثناء قراءتي لمنهج التفسير للمرحلة الثانوية لعام 2018/ 2019م في مقالي الذي نُشر في صفحة الرأي بجريدة المدينة خلال الفترة من 30/8/2019 الى 13/9/2019م، وبيّنتُ فيه أنّه لا يوجد نسخ في القرآن الكريم، وقُلتُ أيضًا: «وهو من أكبر وأخطر المنافذ التي نفذ منها مخططو إلحاد شبابنا ذكورهم وإناثهم، ودفعوا بشبابنا إلى الإلحاد، فما يقوله المفسرون والمختصون بالناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم يُعد تلاعبًا بالقرآن، وتعطيلًا لكثير من أحكامه، وإساءة إلى الله المشرّع، وجعلهم من التشريع الإلهي لعبة، مثل قولهم في ما نُسب روايته إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنّه قال: «أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلّم آية فحفظتها وكتبتها في مصحفي، فلمّا كان الليل رجعتُ إلى مضجعي، فلم أرجع منها بشيء، وغدوْتُ على مصحفي، فإذا الورقة بيضاء، فأخبرتُ النبي صلى الله عليه وسلّم، فقال لي يا ابن مسعود تلك رفعت البارحة». [أبو القاسم هبة الله بن سلامة أبو النصر: الناسخ والمنسوخ، هامش ص 12. 13].

فهل يُعقل أنّ الله يُشرّع تشريعًا في النّهار، ويمحوه في ليل ذات اليوم؟.

كيف قبل علماء الإسلام على مختلف العصور هذه الرواية؟ بل كيف يورد البخاري ومسلم في صحيحيهما رواية عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، هل يُعقل أنّ آية تنزل، ثم تُلغى في ليلة واحدة؟ وما الحكمة من نزولها ثم إلغائها؟.

ولم يكتفوا بهذا، بل نجدهم نسخوا جميع آيات الحرية الدينية والعقيدة، والتي تُنظِّم علاقات المسلمين بغيرهم، وهذا من أهم الأسباب التي حرص الإخوان على تدريسها ضمن مناهجنا الدراسية، لتنفيذ مخططهم بإقامة ما أسموها بِـ»دولة الخلافة» فللأسف قد استغل الإخوان هذه المزاعم ليبرروا تكفير المسلمين وقتلهم.

فما زعمه القائلون بنسخ القرآن الكريم لنفسه، بل ونسخ السنة النبوية له لخطأ فهمهم لقوله تعالى:(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[البقرة: 106]، والتي تتحدّث عن نسخ شريعة موسى عليه السلام بنسخ آيات منها طبق الأصل، أو إنسائها بخير منها كقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ...)[المائدة: 45] بل تطاولوا على كلام الله وجعلوا صغير الماعز تنسخ ما تُسمى بآية النسخ.

نعلم أنّ الله قد تعهد بحفظ القرآن، ومكتوب منذ الأزل في اللوح المحفوظ، فالقول بنسخ آيات مثبتة في اللوح المحفوظ وإزالتها من القرآن المتلو، ينفي هذه الأبدية لحفظ القرآن الكريم في اللوح المحفوظ، ويجعلها فرضية وهمية، وهذا ما يقوله «الملحدون»، وهذا أحد مكامن خطورة القول بالناسخ والمنسوخ أي ببطلان أحكام بعض آيات القرآن؛ إذ يثير الشكوك في صحته، وأنّه من عند الله، وكان من أسباب إلحاد بعض شباب الإسلام؛ إذ وجدوا أنّ قضية الناسخ والمنسوخ تتصادم مع آية (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)[ النساء:2]، والكم من الآيات التي وقع عليها النسخ والتغيير والتبديل والزيادة والنقص، وتحويل الحرام حلالًا، والحلال حرامًا يُثبت أنّ في القرآن اختلافًا كثيرًا، جعلت الملحدين يقولون: «إنّ القرآن بهذا قد حكم على نفسه بأنّه ليس من عند الله» (تعالى الله عما يصفون).

بل تطاولوا على كلام الله وجعلوا صغير الماعز تنسخ ما أسموها بآية النسخ!.

للحديث صلة.