أما وقد حلَّ فصل الخريف، لتتقارب عدد ساعات الليل وساعات النهار، ويصاحبه اعتدال درجات حرارة الطقس وميلها إلى البرودة تدريجيًّا، وتتاح لعشَّاق الطبيعة التمتُّع بمباهج الطبيعة، وعلى تعدُّدها، لا أروع من مشاهدة لوحات جماليَّة تطرِّزها أوراق أشجار الغابات والمزارع بألوان تتجدَّد تلقائيًّا ليصعب على الناظر تعدادها ووصفها. تتساقط أوراق الشجر، لتفرش تحتها بساطًا موشًحّا بألوان يغلب عليها الذهبي، يغري عشَّاق الأمسيات المقمرة بالسهر مفترشينها تحت غصون الأشجار حتَّى ساعات ما بعد منتصف الليل.. هناك يحلو السمر، ويطيب لقاء الأحبَّة.. أمَّا المبدعون بالطرب والغناء والعزف، فلكلٍّ مجاله وطريقته.. يعبق الجوُّ بأصوات ساحرة وعزف متناغم، يحيل المكان مسرحًا طبيعيًّا تتباطأ فيه ساعات الليل.. ولا وصفًا له أدقُّ من قول شاعر الحبٍّ والغرام عمر الخيَّام في رباعيَّاته: (وما أَطالَ النومُ عمرًا، ولا قصَّر في الأعمارِ طولُ السهرْ). أمَّا خريف العمر فمشترك عند خلق الله جميعًا.. يبلغه الواحد في سنيِّ الراحة والاستقرار، بعد جهد عشرات السنين في العمل لتوفير متطلَّبات الأسرة من سكن وغذاء وكساء إلى جانب العناية بالأبناء والأحفاد، البنين منهم والبنات ليكتسبوا من الخبرة والمعرفة ما يمكِّنهم من متابعة مشوارهم إلى يوم بلوغهم خريف العمر، وهكذا دواليك خلف عن سلف ليتسلَّم الأمانة، وتستمرُّ الحياة.

ومع تغيُّر المفاهيم والأولويَّات، على الأقلِّ في عصرنا، وقبول تعاليم (علماء الصحَّة العامة)، فخريف العمر هو الشيخوخة! وتلك واحدة من مسبِّبات التحوُّلات الاجتماعيَّة الأكثر أهميَّة لتأثيرها في جميع قطاعات المجتمع.. بما في ذلك سوق العمل والأسواق الماليَّة.. والطلب على السلع والخدمات لكونها تأتي بمتوسِّط عمر الخامسة والستين عند معظم الشعوب.. وكذلك المقيمون في بلدان يسودها الظلم والفساد، فيتعرَّضون للعديد من الأمراض التي يستنزف علاجها الكثير من مدَّخراتهم الماليَّة ومن موارد حكوماتهم.. يُستثنى من هذه القاعدة شعوب في مقدَّمتها فرنسا وسويسرا واليابان وسنغافورة وسواها التي تحظى بمتوسِّط عمر يتجاوز السادسة والسبعين، وبثقافة الصحة والسلامة من مرضٍ وداءٍ.

يحلُّ خريف العمر على غالبيَّة الأمم بعد سنين من جهد أولياء أمورها في بناء صرح دولة عتيد يحقِّق لشعوبهم مكانة رفيعة بين الأمم، وتهابها دول سواها وتطلب ودَّها وصداقتها والتعاون معها.. وفي حالات مَّا، تكون الغاية بسط النفوذ على الدول الأُخرى للهيمنة على مواردها، متناسية الحكمة من القول المأثور: (ما طار طير وارتفع إلَّا كما طار وقع).. ومثال ذلك الاتِّحاد السوفيتي، ارتفاعٌ ما بين الأعوام 1922 و1991، وفيها عمل قادته على نشر الشيوعيَّة في بلدان العالم، وخاضوا حروبًا داميَّة داخل اتَّحادهم وخارجه من أجل تحكُّم المذهب الشيوعي في سلوك الساسة وحياة الشعوب واحتكار الموارد الطبيَّعة ليخرجوا من عراكهم (بخفَّيْ حُنين)، فهبوط وتردٍّ إلى القاع.. كان ذلك بسسب وصول اتِّحادهم إلى شيخوخة ما بعد خريف العمر بنحو سبعة عقود من العمر! عمرٌ للأُمم مبكِّر، كتلك التي تركت بصمات خالدة في حضارة الإنسان.. وصدق قول الله تعالى في سورة (آلُ عمران): وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّٰالِمِينَ﴾.