أثار معالي الأستاذ نزار عبيد مدني شجون المتقاعدين بعد كتابته ما يوحي بعد تقاعده من وضع وحال بعض المتقاعدين مع جهات تقاعدهم بقوله: «مهما بذلت من جهود وحققت من نجاحات فيجب ألا تتوقع بعد تقاعدك من الجهة التي كنت تعمل فيها الكثير في مقابل ذلك هذه حقيقة ماثلة للعيان وإن كانت مؤلمة إلا أن عليك أن تتعايش معها وتتقبلها بالكثير من الواقعية والرضا والتسامح لكي تهنأ وتسعد بحياة ما بعد التقاعد!!».

ويبدو ان معاليه بعد اصطفافه مع المتقاعدين الذين خدموا الدولة شعر بما هو عليه حال المتقاعد وقد عُد على هذا الوطن مئات الألوف من موظفي الدولة الذين احيلوا الى التقاعد ولا يزال التقاعد يتربص بكل من هم على حافة الانتهاء من الخدمة الوظيفية ليلحقوا بسابقيهم وهذه سنة الله في الحياة فالحي يدفع الميت حتى الخلايا في داخل جسم الانسان تتقاعد عندما تنتهي وظيفتها (Function) فتموت وتحل محلها خلايا جديدة وتتجدد الحياة.

عندما عدت من البعثة حاملا شهادة الدكتوراة أول ما ذهبت الى أمي في المدينة المنورة لكي تبارك لي وهي لا تقرأ ولا تكتب لكنها حكيمة في كل قول تقوله، ومن حكمتها التي لا تزال ترن في أذني هي قولها «ياولدي تذكر انك ستنتهي الى التقاعد في غمضة عين وتذهب سنينك في العمل سريعة فأحرص على الاخلاص وأداء الأمانة ولا تنتظر الشكر إلا من الله وإن كتب الله لك العافية بعد هذا العمر فأحمد الله فالدنيا لا تبقى لأحد».

فالغنيمة بعد سن التقاعد هي العافية وليس أن تحظى بمثل ما كنت عليه يوم أن كنت على رأس العمل أو أن تحظى بعد التقاعد بمن يهتم بك أو بعطائك السابق، والذي يمر على أي متقاعد اليوم قد مر على آخرين من قبل وسيمر على آخرين من بعد وليس من الطبيعي أن الإنسان المتقاعد مهما صغرت أو كبرت وظيفته أن يتوقع أنه سيحظى بالاستمرار في نفس الوجاهة والمكانة التي كان عليها لأن هناك شخصًا جديدًا ودماء ًجديدة، وأسعد إنسان متقاعد هو من يتقاعد مصحوبًا بالعافية والشعور بأنه كان يؤدي عمله خالصًا لوجه الله ولذلك نصيحتي لكل من هو على رأس العمل راقبوا الله في أعمالكم فأنتم أُجراء عند الدولة بعقود فأوفوا العقود بالإخلاص في العمل خاصة أن ولي الأمر قد وجهكم بالقيام على خدمة المواطن وليس هناك أجمل من الإخلاص في العمل لوجه الله لأنه لا ندم عليه ويزين صحيفة صاحبه يوم القيامة، وإن كان من شيء يطلب للمتقاعدين فهو الاهتمام بهم ماليًا خاصة من كانت رواتبهم متدنية لا تفي بحق الحياة ومتطلباتها، وهذا طلب أرجو أن يحظى بالدراسة لدى الجهات المعنية، أما الطلب الثاني فهو الاهتمام بهم بالجانب الصحي وتوفير تأمين طبي لهم لأنهم في سن حتمي هو سن معترك المنايا ولا أزين من العافية بعد التقاعد أبدًا كما قالت والدتي يرحمها الله، وهناك من يقترح أن يستفاد من بعض المتقاعدين في التخصصات النادرة خاصة من هم خبراء في البحث العلمي في الجامعات حيث البحث العلمي تراكميًا يزيد إدراكًا وفهمًا مع السنوات وبما أن معظم تحولاتنا اليوم بالتاريخ الميلادي فكذلك سن التقاعد حبذا يصبح ستين سنة ميلادية أي اثنين وستين سنة هجرية ولعل ما كان يقصده أستاذنا الفاضل أبوعبيد هو أن تكون هناك علاقات مستمرة بين المتقاعد وجهته التي كان يعمل بها خاصة زملاء العمل واعتقد ان مثل هذا يتحقق من خلال العلاقات الاجتماعية أكثر منه من خلال العلاقات الرسمية ويبقى أن العافية هي رأس العطاء والبقاء وممارسة الاستفادة منها في الأعمال الخيرية والحياتية كنز يزيد في رصيد الآخرة كما أن الخبرة التخصصية التي يملكها المتقاعد يمكن الاستفادة منها في الأعمال الاستشارية سواء الحكومية أو في القطاع الخاص.