عودة مرة أخرى للكتابة عن التقاعد، لكن من زاوية أخرى غير زاوية هموم المتقاعدين الكثيرة، ممّا نُتِقَت فوق رؤوسهم كالجبال بسبب الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة وقلّة ومحدودية التسهيلات المقدّمة لهم من المجتمع!. وكم أتمنّى أن تُزاح الجبال عنهم، لأنّهم مواطنون قضوا زهرة شبابهم وريحانة أعمارهم خدمةً للوطن بتفانٍ وإخلاص!.

والزاوية المقصودة هي زاوية الاستثمارات التي تُديرها جهات التقاعد، والذي جعلني أكتب عنها هو خبر صحيفة المرصد مؤخراً عن صندوق التقاعد الحكومي النرويجي الذي صُنِّف كأضخم صندوق ثروة سيادية في العالم بإجمالي أصول 1.4 تريليون دولار، وهو من التقاعد فقط بدلالة اسمه، وتفوّق على صناديق استثمارية عالمية عديدة، عامّة وليست تقاعدية، وهذا يدلّ على شيئيْن هما عِظَم مصادر الدخل التي تدخل خزائن جهات التقاعد في أيّ بلد، جرّاء السحوبات من رواتب المتقاعدين حين كانوا موظّفين على رأس العمل، وإمكانية استغلال أموال السحوبات في الاستثمار الصحيح والمدروس لتكوين صناديق ثروة سيادية يُشارُ إليها بالبنان.

وأنا لا أملك تفاصيل عن الاستثمارات التي تُديرها جهاتنا التقاعدية، وأتمنّى إعلانها بشفافية، لأنّها من الوطن أولاً وإلى الوطن أولاً، وليست من المتقاعدين إلى المتقاعدين، وإنجاح استثمارات التقاعد مثلما نجح صندوق الاستثمارات العامّة وسيره في الخُطى الصحيحة باتجاه 2030م وانعكاس ذلك على الوطن قبل المتقاعدين هو شيء مطلوب وفي غاية الأهمية.

فدعونا نفتح ملف استثمارات التقاعد، ليس لقافةً منّي ولا استشطارًا، وليس لديّ ذرّة شكّ أو إساءة ظنّ في أيّ فرد أو جهة، وإنّما الهدف من فتح الملفّ هو تطوير وتضخيم الاستثمارات وبالتالي عوائدها، فلا يطلع علينا مسؤول مختصّ بالتقاعد بأقوال سلبية عن عدم كفاية نسبة الاستقطاع من رواتب الموظفين، وعن بقاء المتقاعدين أحياء لفترة أطول، إلخ إلخ إلخ، ولو فتحنا الملفّ بهذا الهدف لساهمنا في معالجة مشكلات الوطن المالية وأوجه صرفه الكثيرة، ومعها مشكلات المتقاعدين المالية المُتنامية، ويا «بخت» من نفّع واستنفع، مع طبع قُبلة حنان واحترام وتبجيل على جبين كلّ متقاعد قد ذرف منه العرق في سبيل الوطن.