اختلف الباحثون في مصدر كلمة (جامعة) ومن هي أول جامعة أسست بمسمى جامعة، فالعرب يسجلون في تاريخهم بأن أول جامعة هي جامعة القرويين بمدينة فاس بالمغرب عام 859م، والغرب يرى أن أول جامعة بمسمى جامعة هي جامعة بولونيا في إيطاليا ويصنفونها بأنها أول جامعة في العالم أنشئت عام (1088م)، حيث يعرّفون الجامعة بأنها مركز كبير من مراكز التعليم العالي والدراسات وهي مؤسسة ذات ميزات هيكلية وقانونية وتتضمن مجتمعاً من العلماء والمعلمين وهو معنى (جامعة) في اللغة اللاتينية والتي على أساسها تم تسمية جامعة بولونيا في إيطاليا أول جامعة في العالم كما يسجلون، وجميع المؤسسات التعليمية قبل هذا التاريخ كانت تسمى مدارس.

وفي العصور الوسطى تعد جامعة هارفرد إحدى أقدم جامعات العالم تأسست في عام (1636م) أي قبل حوالى أربعة قرون، أسسها شاب قسيس بريطاني مولود في لندن عام (1607م) وتوفي عام (1638م) عن عمر 31 عامًا اسمه جون هارفرد، أسس جامعة هارفرد لتكون منافسة مستقبلاً لجامعة كمبريدج وجامعة أكسفورد في بريطانيا.

أنشأها كلية صغيرة وبها أستاذ واحد فقط وقدم لها مجموعة من الكتب والمراجع العلمية وترك لها جميع تركته بعد وفاته وقدرت آنذاك بمائة جنيه استرليني من العملة الإنجليزية، إلا أنه لم يحقق حلمه ليرى الكلية تفتح أبوابها للطلبة وتنمو وتصبح جامعة، لأنه توفي في نفس العام الذي فتحت الكلية بابها للعلم.

وأكمل رواد التعليم المسيرة بعد وفاته حتى أصبحت جامعة هارفرد أفضل جامعة في العالم تخرج فيها أكبر السياسيين وكبار العلماء والمشاهير ومنهم سبعة رؤساء حكموا الولايات المتحدة الأمريكية مثل روزفلت وباراك أوباما وجورج بوش، وتخرج منها أيضًا مارك زوكربيرغ وجون أدامز ثاني رئيس للولايات المتحدة وأول نائب لرئيس أمريكا قبل رئاسته، والرئيس جون كيندي وبيل غيتس صاحب شركة مايكروسوفت العالمية أحد أشهر أغنياء العالم، وفاز (161) من أساتذة وباحثين وطلبة من جامعة هارفرد بجائزة نوبل وفاز (18) من أعضاء هيئة التدريس (بميدالية فيلدز) وتخرج فيها عدد كبير من أعضاء الكونغرس الأمريكي.

ان ما يدفعني لكتابة هذه المقالة هو تعزيز لمقالتي السابقة عن أهمية الأوقاف لاستدامة الجامعات بصفة عامة وعدم اعتمادها على ميزانيات الدول أو ايراد رسوم الطلاب، حيث أظهرت المعلومات ان اجمالي إيرادات جامعة هارفرد لعام 2020م حوالى (5,4) مليار دولار، وقيمة أوقاف جامعة هارفرد تبلغ (41,9) مليار دولار تدر عائدًا على الجامعة بنسبة 22% من ايرادها، وتحصل على تبرعات تصل نسبتها الى 37% من اجمالي الإيرادات وتحسم التبرعات من قيمة ضرائب المتبرعين.

إن تجربة جامعة هارفرد وإن كانت لها أربعمائة عام إلا أنها مرت بظروف صعبة جداً لترسيخ مبدأ الاستدامة عن طريق ايراد الأوقاف وترسيخ مبدأ التبرعات لرجال الأعمال والشركات بحوافز الإعفاءات الضريبية التي ساهمت جامعة هارفرد والجامعات العريقة الأخرى في تضمينها في نظام الضرائب منذ بداية وضعه في النظام الضريبي في الولايات المتحدة الأمريكية.