Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

كراســـــي

A A
بالرغم أنها من أهم متطلبات حياتنا اليومية، إلا أننا لا نعطي الكراسي حقها من التأمل، فبالإضافة إلى توفير الراحة، فهي توفر الأناقة في التصميم، وتعكس الذوق سواء كانت في المنازل، أو المكاتب، أو في الأماكن العامة. فضلاً لاحظ أن حتى أبسط وأرخص الكراسي مريحة، وهي تذهلنا بالتفاصيل العجيبة في قوتها، وشكلها، وملمسها، ولونها، واقتصادياتها.

وإذا ركزنا على الجوانب الغريبة في عالم الكراسي، فلا بد أن نبدأ بأغلى الكراسي سعراً في العالم.. ستجدها في الطائرات المقاتلة. والسبب الرئيس هو وجود نظام الطوارئ الصاروخي الذي يعمل بمنظومة هندسية مذهلة لإخراج الطيار بالكرسي من الطائرة في أقصى حالات الخطر خلال فترة أقل من ثلاثة أرباع الثانية.

يعني في فترة أقل من ذكر كلمتي «سبحان الله» تكون تلك المنظومة قد قذفت الغطاء الزجاجي القوي المحيط بالمقصورة، وأخرجت الطيار بالكرسي ورفعته إلى الأعلى بارتفاع يصل إلى ما يعادل عشرة أدوار بعيداً عن مقصورة الطائرة. وتحتوي تلك الكراسي التي يصل وزنها إلى ما يعادل كيسي إسمنت على مواد متفجرة عنيفة لتأكيد الدفع الصاروخي القوى. يعني في كل طلعة، يجلس الطيار المقاتل فوق منظومة صاروخية دقيقة، وأعتقد أنها المهنة الوحيدة التي تتطلب ذلك.. ولا نستغرب أن سعر الكرسي الواحد قد يفوق ما يعادل المليون ريال.. هذا بالنسبة إلى أغلى الكراسي سعراً.. وأما أغربها فكانت من عالم استكشاف الفضاء وتحديداً في عام 1965 كانت شركة «جرومان» الأمريكية جاهدة في تصميم مركبة «ايجل» بمعنى النسر للهبوط على سطح القمر ضمن برنامج «أبوللو» لهبوط الإنسان على سطح القمر.

وكان التصميم جديداً بالكامل، وكان أيضاً في منتهى الصعوبة، فلم توجد أية سوابق هندسية لتلك المهمة.

وأحد أهم المتطلبات كانت أن يتم تقليص وزن المركبة بشتى الطرق. وطرحت الفكرة الخرافية الإبداعية بإزالة كراسي رائدي الفضاء بالكامل. وكانت مميزات هذه الفكرة كثيرة ومنها حذف وزن الكرسيين للطيار وقائد الرحلة، ومنها أيضاً تقليص مساحة نوافذ المركبة، وتقليص الفراغ الداخلي.. فضلاً تخيل أن تكون إحدى أكثر المركبات الفضائية تطوراً بدون كراسٍ.. وقوفاً.. أثناء هبوطها على سطح القمر، ثم إقلاعها وعودتها إلى المركبة الأم التي كانت تدور في مدارها القمري.

طبعاً أصيب رواد الفضاء بحالة هلع رهيبة فكانوا أفضل الطيارين في العالم آنذاك، وكانت إزالة كراسيهما تقليصاً للوقار والهيبة.. وكان موضوع الطيران وقوفاً «بعزقة برستيج».

ولكن المهندسين انتصروا على رواد الفضاء فقامت المركبة برحلتها إلى القمر بدون الكرسيين.. ثم تكررت التجربة في خمس رحلات إضافية بدون الكراسي في رحلات أبوللو 12، و14، و15، و16.. تخيل أن رواد الفضاء قادوا تلك الرحلات كما هو الحال في قطارات المدن في لندن، وطوكيو، وباصات القاهرة العزيزة وقت الذروة.

أمنيــــة:

سأنهي الكلام بمقارنة فقدان وقار وهيبة الكراسي التي تم حجبها عن الرواد الذين هبطوا على سطح القمر.. وهناك حالة شبيهة نراها على الأرض فنجد من يستمد كامل قوته من كرسي الوظيفة، وعند ترك الكرسي يعاني نفسياً علماً بأن الكراسي ليست دائمة، وهي ليست للهيبة والمكانة، وإنما هي فرصة لخدمة الوطن.

أتمنى أن ندرك أهمية وحدود الكراسي بأنواعها وأشكالها المختلفة فهي من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
تصفح النسخة الورقية