أواصل الحديث عن درس النسخ في القرآن الكريم الوارد في منهج هذا العام للتفسير (2) للمرحلة الثانوية عام 1443هـ/ 2021م. فقد بيّنتُ أنّ الله قد تعهد بحفظ كتابه، ومكتوب منذ الأزل في اللوح المحفوظ، فالقول بنسخ آيات مثبتة في اللوح المحفوظ وإزالتها من القرآن المتلو، ينفي هذه الأبدية لحفظ القرآن الكريم في اللوح المحفوظ، ويجعلها فرضية وهمية، وهذا ما يقوله «الملحدون»، وهذا أحد مكامن خطورة القول بالناسخ والمنسوخ أي ببطلان أحكام بعض آيات القرآن؛ إذ يثير الشكوك في صحته، وأنّه من عند الله، وكان من أسباب إلحاد بعض شباب الإسلام؛ إذ وجدوا أنّ قضية الناسخ والمنسوخ تتصادم مع آية (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء:2]، والكم من الآيات التي وقع عليها النسخ والتغيير والتبديل والزيادة والنقص، وتحويل الحرام حلالاً، والحلال حرامًا يُشير إلى وجود اختلاف في القرآن الكريم، جعل الملحدين يقولون: «إنّ القرآن بهذا قد حكم على نفسه بأنّه ليس من عند الله»، (تعالى الله عما يصفون). وبالرغم ممّا أثبتُّه بالأدلة والبراهين من عدم وجود نسخ في القرآن الكريم لكن للأسف معدو منهج التفسير للمرحلة الثانوية مصرون على استمرار إدراج درس «النسخ في القرآن الكريم» هذا العام عام 1443هـ/ 2021م، وجاء في المنهج تحت عنوان «ضوابط مهمة في النسخ الآتي»: 2. «النسخ يكون في الأحكام الشرعية كالعبادات والمعاملات، ولا يقع في العقيدة ولا في الأخبار». 3. «إنّ النسخ في القرآن الكريم قليل وفي آيات معدودة.» وهذا ليس بصحيح فدعاة الناسخ والمنسوخ قالوا بِإنّ آية السيف نسخت الآيات المتعلقة بالحرية الدينية، التي منها:

• (لا إكراه في الدين) وتكملة الآية (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم) [البقرة: 256]، فهل كامل الآية منسوخ، أم المنسوخ فقط (لا إكراه في الدين) وباقي الآية محكم؟ أم جميعها نُسخ؟، ومن أين علموا بذلك؟ من أخبرهم، ولا يوجد نص عن الرسول الكريم يُشير إلى ذلك؟ ولم يكتفوا بهذا، بل جعلوا آية السيف نسخت كل آيات التسامح مع أهل الكتاب، مثل هذه الآيات:

• (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) [ الحجر: 85]، (ادفع بالتي هي أحسن) [المؤمنون: 96]، (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك) [طه: 130] وكان هذا قبل أن تنزل الفرائض، ثم صار ذلك منسوخًا بآية السيف.

• (فاصبر إنّ وعد الله حق ولا يستخِفَّنك الذين لا يوقنون)[الروم:60]، (فاصبر) منسوخ وباقي الآية محكم. (فاصبر إنّ وعد الله حق) [غافر:55].

• (واصبر وما صبرُك إلّا بالله) [النحل: 127] نسخ الصبر بآية السيف.

• (فاصبر صبرًا جميلًا) [المعارج:5]

• (فاصبر إنّ وعد الله حق فإمّا نرينَّك بعض الذي نعدهم أو نتوفينَّك فإلينا يرجعون) [ غافر: 77] نسخ أولها وآخرها بآية السيف.

• (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) [الأحقاق:35] نسخ الأمر بالصبر بآية السيف.

• (واصبر لحكم ربك فإنّك بأعيننا) [الطور: 48]، نسخ معنى الصبر الأمر بآية السيف، وقد قيل والله أعلم إنّ قوله (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ) [الطور:45] نُسخ بآية السيف [المقري: الناسخ والمنسوخ، ص169].

• (فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا) [الإنسان: 24] نسخ الصبر.

• (فاصبر لحكم ربك)[ن: 48] ظاهره محكم والمنسوخ منها أمره بالصبر نسخ الله تعالى الصبر منها بآية السيف.[المرجع السابق: ص 183]

• نلاحظ هنا كلمة الصبر هي المنسوخة فقط، واضح أنّ الذي ادعى النسخ، بحث عن كلمات الصبر على ذوي الملل والأديان لينسخها، ويلغي حكمها ليجعل القتال هو لغة التعامل معهم.

• (فتوّل عنهم) [القمر: 6] نسخ معنى التولي بآية السيف وباقيها محكم.

• ونسخوا من المزمل (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) [10] (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) [11].

• ومن مريم (فلا تعجل عليهم) [84] (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) [39] نُسخ معنى الإنذار منها بآية السيف.

• (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) [ الكافرون: 6]، (وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) [القصص:55]

• (فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنّما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل) [الزمر: 4]

• (فاعبدوا ما شئتم من دونه) [الزمر:15]، (ومن كفر فلا يحزنك كفره) [لقمان:24]، نسخ معناها لا لفظها بآية السيف وباقي الآية محكم.

• (وَأَنْ أَتْلُوَا ٱلْقُرْءَانَ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَا مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ)[النمل:92] نسخ معناها لا لفظها بآية السيف وباقيها محكم، ما هو دليلهم على ذلك؟ هذا ما تناقلته كتب الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، وإن كانت آيات حرية الدين والعقيدة التي يزعمون أنّ آية السيف نسختها لا صلة لها بالعقيدة، فما هي الآيات التي تتعلق بالعقيدة؟ للحديث صلة.