من عاش طفولته في مجمَّعات الأحواش التراثيَّة في المدينة المنوِّرة التراثيَّة يختزن من ذكريات الطفولة والصبا والشباب كثيرًا، ويحدِّث عنها أحفاده.

بعد توسُّع المدينة المنوَّرة العمراني خارج المنطقة المركزيَّة من جرَاء توسعة الحرم المدني الشريف الذي يزداد عدد قاصديه من داخل المملكة ومن خارجها موسمَّا بعد آخر، وانتقال السَّكان إلى منازل حديثة في اتِّجاهات المدينة الشماليَّة والجنوبيَّة، وفي الحارتين الشرقيَّة والغربيَّة، فوَّت على الجيل الجديد متع الطفولة التي عشناها بألفة وحسن جوار مع أهلنا وجيراننا داخل الحوش.

للحوش بوَّابة دخول وخروج، وفي وسطه برحة (ساحة) يمارس فيها الكبار قبل الصغارألعابهم ورياضاتهم.. ومن فتحات رواشين البيوت الخشبيَّة الملطفة للهواء، كانت جدَّاتنا يراقبن الجيران والداخل إلى الحوش والخارج منه.. وإذا ما دخلت الحوش قبل أذان الظهرسيِّدة من غير سكَّان الحوش وخلفها أطفالها، فذلك يعني أنَّها قادمة لتقيل في بيت من بيوت الحوش! تطرق بابه -لعدم وجود شبكة هاتف في ذلك الوقت- دون سابق إشعار.. غالبًا ما كان ذلك لقضاء يوم عند من طُرِقَ باب منزلهم، ولتناول وجبة الغداء عند حضور زوجها وعودة ربِّ المنزل من عمله.. وبعد استرخاء الجميع للقيلولة التي يتبعها برَّاد شاهي العصريَّة، وما يرافقه من الحلوى والمعجنَّات! ومن بعد تناول التعتيمة، بعد صلاة العشاء بأطباق من حواضر البيت، قد يرافقها المنتو واليغمش والمطبَّق الحلو والمالح، وفي مناسبات تبسي كنافة بالمكسَّرات وفنجان سحلب في أمسيات فصل الشتاء.

في حوش التاجوري الذي وُلِدَ فيه والدي رحمه الله.. ومن خلف الرواشين الخشبيَّة، كانت جارتنا شاميَّة المولد، أم عمر، وجارتنا المصريَّة المولد أم حمادة، وجدَّتي الحجازيَّة -رحمهنَّ الله- يدردشن في مواضيع، أهمُّها السؤال عن طبخة اليوم.. وفي أيَّام الشتاء الممطرة، كان الرز والعدس سيِّد مكوِّنات الطبخة.. أم عمر الشاميَّة توقد على مجدَّرة بالبرغل.. وجارتنا المصريَّة أم حمادة توقد على قدر واحد لسلق الرز، وثاني لسلق العدس، وثالث لسلق المكرونه لتحضير طبق الكشري.. والجدَّة تجهِّز طبق المعدوس الحجازي، وبقربها طاوة لقلي السمك.. وبعد الانتهاء من الطبخ، يتمُّ تبادل صحون السكبة بين الجارات لتتصدَّر سفرة الغداء.

تدلُّ السكبة بين الجيران على ما بينهم من صلات التعاون والتآزر، تمامًا كما هو الحال بين بلادنا وبلاد الشام وأرض الكنانة.. فرفاهية هذه البلاد وأمنها واستقرارها من أولويَّات رفاهية بلدنا وازدهارها.. وهو ما تبنَّاه الملك المؤسِّس عبدالعزيز آل سعود -طيَّب الله ثراه- من اليوم الأوَّل لقيام المملكة العربية السعوديَّة، راسمًا سياسة المملكة الخارجيَّة، وتوثيق ارتباطها بشقيقاتها الأقرب التي كانت يومها تمدُّ عرب الجزيرة بمتطلَّبات الحياة من غذاء ودواء وكساء.. ومن إيرادات أوقاف الحرمين الشريفين في بلدانهم، وصدقات الموسرين من مواطنيهم لما كانت تعاني منه بلد الحرمين الشريفين وما حولها من شظف العيش وضيق ذات اليد.

شاء الله أن يُكتب على يد المؤسِّس -طيَّب الله ثراه- اكتشاف ثروة البترول، وما تبعها من سعة في الرزق، وتمويل لخطط التنمية التي تتابعت، وتعدَّدت أهدافها في عهد أنجاله الملوك خدَّام الحرمين الشريفين.. واليوم، ونحن ننعم بالخير العميم والحياة الكريمة والاقتصاد الذي رفع مكانة بلدنا عمرانًا وعلمًا إلى مصاف الدول الكبرى، وعطاءً إلى شقيقاتنا العربيَّات وإخواننا في العقيدة.. فدوام النِّعَمِ وزيادتها مُرتهن بشكر الله كما تنصُّ الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فِلَا خَوْفٌ علَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

فالحمد لله والشكر له على فيض كرمه ودوام إحسانه.