Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد بشير كردي

آفة الجهل وجائحة الأمية!

A A
(قُمْ لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلِا

كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكونَ رَسُولَا)

قالها أمير الشعراء أحمد شوقي -رحمه الله- فإذا الأُمَّةَ اليابانيَّة تطبِّقها قولًا وعملًا.. هناك يُعطى المعلِّم لقب (سانسيه)، لإظهار الاحترام لشخص حقَّق مستوى معيّنًا من إتقان فنٍّ أو مهارة من أي نوع آخر.. ويحظى بها المدرِّسون والأطبَّاء ورجال السياسة والقانون، وسواهم من ذوي السلطة.. وكذا الروائيُّون والشعراء والرسَّامون والفنَّانون وآخرون اعترافًا لهم بما أنجزوه.

يتساوى في لقب (سانسيه) كلُّ معلِّم من المراحل الابتدائيّة والثانويَّة والجامعيَّة، وكلُّ موجِّه ومعلِّم في المهن والفنون.. ويحظى هذا اللقب بتقدير الطلبة واحترامهم حتَّى بعد دخولهم الحياة العمليَّة.. ومن بينهم من تسلَّم مناصب قياديَّة في مجتمعه، وتلبَّى طلباتهم دون تردُّد أو تأجيل، مهما كانت طبيعتها، وقد لمستها بنفسي عندما باشرت عملي سفيرًا لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- لدى البلاط الإمبراطوري في اليابان.. كان من واجباتي لقاءات تعارف إلى كبار الشخصيَّات من وزراء ونوَّاب وعمداء جامعات وإعلاميين.. أذكر مرَّة أنَّ سكرتيرة أحد الوزراء تأخَّرت في إعطائي موعدًا لزيارته، وذلك لانشغاله المستمر في جلسات استجوابات البرلمان الوزراءَ في أمور الميزانيَّة.. علم بذلك أحد الأصدقاء الذي زارني في مكتبي، وكنت قد تعرَّفت إليه في ستينيَّات القرن الماضي لمَّا كنت أصغر منسوب للسفارة هناك.. استمرَّت صلاتنا وصداقتنا حتَّى اليوم.. استأذنني باستعمال الهاتف، واتَّصل بصديق له ليعرف منه اسم الجامعة التي تخرَّج فيها الوزير وسنة تخرُّجه.. وما إن أنهى المكالمة حتَّى اتَّصل بأستاذ، يستخبر عن سبب مماطلة الوزير بتلبية طلب سفير المملكة العربيَّة السعوديَّة وتحديد موعد زيارة له مجاملة وتعارفًا.. لم يمض بضع دقائق حتَّى اتَّصلت بمكتبي سكرتيرة الوزير طالبة تحديد الموعد المناسب لبرنامجي للقيام بالزيارة.

تحدَّد الموعد، وشكرت الصديق على مساعدته التي أضافت لي معلومة عن سلوك اليابانيِّين وتقديرهم لمن علَّموهم وأهَّلوهم للحياة العمليَّة.. تذكَّرت أنذاك قول الشاعر أحمد شوقي الذي حفظناه عن ظهر قلب ونحن على مقاعد الدراسة.. لكن مع الأسف لا يطبَّق، ولا يلتزم به كثيرون منَّا، وعدد ممن تسنَّموا مراكز قياديَّة في بلداننا العربيَّة خاصَّة التي ترتفع فيها نسبة الأُمِّيَّة، وعدد الذين يجهلون الكتابة والقراءة.

هذا بالنسبة إلى المعلِّم ومكانته في المجتمع لارتباط التدريس والعلم به.. أمَّا تفشِّي الأمِّيِّةِ في مجتمعاتنا العربيَّة نوعًا وكمًّا، فتلك آفة الآفات.. فكم يكون من الأجدى والمفيد بدلًا من تخصيص الفضائيّات للمسلسلات لقضاء معظم أوقات شبابنا لهوًا وعبثًا القيام لحملة مكثّفة للقضاء على جائحة الأمِّيَّة التي هي (أُمُّ الجوائح) في عالمينا العربي والإسلامي! وبما أنَّ بوادر الانفراج تتبدَّى -كالحملة القائمة اليوم للقضاء على الكورونا- بمنظَّمة اليونسكو التي لا تألُ جهدًا في تسهيل نشر العلم والمعرفة لتخلِّص المجتمعات كافَّة من الجهل وأوبئة الفتًّاكة.. وما على دولنا العربيَّة التي ما تزال الأمِّيِّة متفشِّية بين مواطنيها إلَّا التعاون الجاد مع منظَّمة اليونسكو، وتحذو حذو حكومة خادم الحرمين الشريفين بأنَّ العلم حقُّ كلِّ مواطنٍ، فهو فرض عين وليس فرض كفاية.. وتباشر لإقامة المراكز الثقافيَّة الإسلاميَّة، التي تديرها رابطة العالم الإسلامي في العديد من بلدان العالم، وفي مقدِّمتها البلدان التي فيها جاليات مسلمة، للحفاظ لهم ولابنائهم على عقيدتهم وأداء فروض عباداتهم.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
تصفح النسخة الورقية
X