Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
شريـف قـنديـل

مهرجان الأوبرا ..عندما تنتشي فتردد: الليل عليَّ طال والدمع تلتل سال!

A A
لأسباب عديدة لن أتمكن من حضور الدورة الثلاثين لمهرجان الموسيقى العربية، الذي لم أتخلف عاماً عن حضوره، باستثناء فترات وجودي في لندن تحديداً!، والحق أنني رغم ما يعتمل في الصدر من شجن وهم، أتوق للحظة الجمالية التي أستشعرها مع أصدقائي ورفقائي من رواد الأوبرا المصرية.

إنها اللحظة التي تتجاوز في تفسيرها حدود العقل، فتجعله يلجأ للتعبير عن اللازمني، بأداة زمنية! وبمعنى آخر إنها الانخطاف الوجداني المعبر، وما ينطوي عليه من شعور بالراحة والانسجام والانتشاء الشفيف الذي يجعل الحاضرين يتمايلون، أو يدندنون همساً، أو يدقون بأياديهم على أرجلهم، وسط الضوء الخافت الذي يلف الصالة!.

جلست في إحدى الحفلات بجوار رئيس وزراء مصر الأسبق الدكتور عبدالعزيز حجازي، وحين استملح رأيي في تحليل أو وصف أداء مطربي الفقرة الأولى في فترة الاستراحة، تواعدنا على الجلوس سوياً في المرات المقبلة! وحين كنت ورفيقي الدائم الدكتور خالد غريب، نفسح المكان للسيد عمرو موسى الأمين العام السابق للجامعة العربية، سارع بالجلوس سريعاً، مشيراً بيده مخافة أن يصدر عنا صوت يصل للمطرب السوري الأصيل!.

في المرة الأخيرة، وعلى مسرح الجمهورية، لمحت المفكر السعودي محمد سعيد طيب «أبا الشيماء» فتبادلنا التحية، حتى كانت الاستراحة الأولى فرُحنا نحتسي القهوة بنشوة غامرة، ونحن نتبادل الرأي في المواهب الجديدة، وفي روعة تمسك الشباب بالفن العربي الأصيل.

وفي العاصمة الكازاخية الجديدة «استانا» كنت أعتقد أن المفكر اليساري الكبير الدكتور جودة عبد الخالق، سيعتذر عن حفل الأوبرا والاستمتاع بالطرب الكازاخي القديم، قبل أن يشاركني اللحظة الجمالية، بالصعود على المسرح لتحية المطربات والمطربين!.

إنه الإحساس بالتناسق الممتع على مستوى اللحن والصوت والكلمة، فضلاً عن الاضاءة الخافتة الجميلة، والمركزة على المسرح الكبير، بل إنه الاحساس بالجمال، أو باللحظة التي قد تجعلنا نستمتع أيما استمتاع بجملة واحدة يرددها مطرب أصيل لمدة خمس أو عشر دقائق، طالبين الاستزادة، من قبيل :أمان أمان يا لا للي»! فاذا ما أنشد «الليل عليَّ طال.. والدمع تلتل سال» راح بعضنا يرددها راجياً الإعادة!.

على أن المدهش في مهرجان الموسيقى العربية، هو تمكن المطربين العرب من غير المصريين في إحياء أمجاد فطاحل الطرب المصري من أمثال سيد درويش، ومحمد عبدالوهاب، ومحمد عبدالمطلب، ومحمد قنديل، وكارم محمود!، يأتي لطفي بوشناق من تونس، فيغني لـ «الشيخ «سيد درويش، ويشعر الصغار والشباب والكبار بقيمة هذا العملاق، الذى مات وعمره لم يتجاوز الثلاثين! ويأتي فؤاد زبادي من المغرب، فيستحضر الجميع سيرة المطرب الكبير محمد عبد المطلب! يصدح: زبادي ساكن في حي السيدة، وحبيبي ساكن في الحسين، ويستشعر من فرط إعجاب الجمهور به حد الانبهار بأنه سكن تماماً في قلوبهم! وما أن يدخل صفوان بهلوان القادم من سوريا، حتى يصرخ أحدهم: الله يا سي محمد، في اشارة الى دخول محمد عبد الوهاب صوتاً وصورة!.

رحت استعرض في جوجل صور مجلة «لايف» الأمريكية الشهيرة والتي التقطها المصور الأمريكي هاوارد سوشريك (1924-1994) في القاهرة خلال إحدى حفلات كوكب الشرق أم كلثوم.

لقد نجحت عدسة المصور ببراعة في تجسيد ملامح الحاضرين خلال استماعهم لغناء أم كلثوم.. هنا انفعالات جسدية صامتة، وهنا آهات تهز أصداؤها أرجاء المكان.

والحق أن مقلدات أم كلثوم نجحن نجاحا منقطع النظير حتى بات لهن سمّيعة أشبه بالحاج سعيد الطحان أشهر «سميعة» أم كلثوم وصاحب الصيحة الشهيرة «عظمة على عظمة يا ست»! وبالإضافة للرائعة آمال ماهر، هناك مي فاروق، وريهام عبد الحكيم، ورحاب مطاوع، وحسناء، ورحاب عمر، وغيرهن.. يأتي مهرجان الموسيقى العربية، فأسافر معه واليه بخيالي مستشعراً اللحظات الجمالية التاريخية، التي تتجاوز حاستي السمع والبصر الى حدود القلب والروح!، يخرج رواد الأوبرا مع انتصاف الليل سابحين في بحار الشوق، أو سارحين محملقين في سماء الوجد، وهم يرددون ما غناه المطرب القدير صباح فخري الذي ودعنا أمس من مقام حجاز: يا فاتن الغزلان اسمح وكلمني.. مالي كلام الناس وانت مخاصمني.. الليل عليَّ طال والدمع سلسل سال.. والقلب لك ميَّال حبك مجنِّنِّي.. قوامك الميَّال خلَّا الشجى في حال.. يا غاية الآمال اسمح وكلمني!.

والواقع أن معظم الخارجين لا يعانون أبدا في مخاطبة حبيباتهم، لكنها اللحظة الجمالية التي تجعلهم يستدعون صوت مدحت صالح وهو يؤدي باقتدار رائعة محمد فوزي: «تملي في قلبي يا حبيبي وأنا غايب بعيد عنك..تملي ولا أنت داري بي وأنا بشكي إليك منك..يا ساكن في الهوى قلبي وساكن في الديار داري.. جمالك كل يوم جنبي آسرني وأنت مش داري! قبل أن تدمع عيون بعضهم وهم يعودون لصوت شيما الشايب وهي تؤدي رائعة ليلى مراد: يا رايحين للنبى الغالى.. هنيا لكم وعقبالى.. يا ريتنى كنت وياكم.. وأروح للهدى وأزوره.. وأبوس من شوقى شباكه.. وقلبى يتملى بنوره!.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X