Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
عادل خميس الزهراني

عُريف العربية: الوفاء من على السرير الأبيض

A A
على السرير الأبيض يتمدد -هذه الأيام- صاحب القلب الأبيض، البروفيسور محمد خضر عريف، بعد أنهكَ السنينَ عطاءً فكافأته حباً ووفاءً. يرقدُ صاحب القلب الأبيض متوشحاً إيمانه العميق كالعادة، دون أن يفقد ثقته بربه، أو أن يهتز تفاؤله كما عوّدنا دائماً.. واجه الحياة بشجاعة وابتسامة، وأثخنها عملاً وأملاً.. واليوم، في استراحته، يستعيد شريطَ العمر فخوراً مغتبطاً، وحُقَّ له أن يكون. ذهبنا نزوره، نحن طلابه.. أنا ومصطفى مايابا ومحمد الحويطي ومعنا عميدنا محمد الغامدي، ولما رآنا شعَ وجههُ بضوءٍ لا ننكره.. ابتسم وحيّانا، بصوتٍ متعبٍ مبحوح.. ألسنتُنا لم تسعفها خطاباتُ السنين، ولا حيل اللغة والأدب، فلم نعرف ما نقول.. ها هو الأستاذ والصديق والأب الحاني ينهكه المرض، ولا نستطيع له صبراً.. ولعله لاحظ ذلك، فطلب منا أن نقترب، وأخذ يوصينا على القسم؛ (قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الملك عبدالعزيز، ذلك الذي قضى فيه عمراً كاملاً يتجاوز خمسين عاماً)، أوصانا على طلابه في الدراسات العليا، ثم اعتذر، واعتبر.. غلبته الدمعةُ وما غالبها.. صامتين تركناه، والعيون تغرق في بحار الملح.

قبل عقدين أو يزيد تهادى إلى القاعة دكتورنا عُريف، تسبقه مهابةٌ وأبوة.. كنا نعرفه علماً من أعلام العربية، ورمزاً من رموز الثقافة، ومعه بدأنا رحلةً شيقةً في عالم اللغويات العجيب، كان دكتورنا عريف عاملاً مهماً في تعلقنا باللسانيات، ومفتاحاً مباركاً دلفنا به إلى عوالمها، ولا نزال ننهل منها ومنهُ ممتنين شاكرين.

بالنسبة لي شخصياً كان دكتوري عريف منعطفاً مهماً في مسيرتي العلمية، لا أزال أتذكر تلك المحاضرات الثرية الماتعة، لم تكن اللسانيات جديدة تماماً علي، لكنّ ما فعله تجاوز المعرفةَ إلى غرس مهارات وقيمٍ لا يزال أثرها عليَّ بالغاً؛ تعلمت التنظيم وترتيب الأولويات، منذ بدأ معنا، سلّمنا خطة العمل للفصل كاملاً، مشتملةً على مواعيد التكاليف والاختبارات وكل التفاصيل.. علمني دكتوري عريف كيف أعيد ترتيب الأولويات بناءً على أهميتها، واستبعاد ما ليس مهماً منها، والتخفف من الأعباء والمسؤوليات التي تقيدني عن بلوغ مطامحي.. واليوم لا أزال أسير على خطاه، وفقاً لذلك النظام والمبدأ، لم أحد عنه، وكلما أنجزت عملاً أكاديمياً أو بحثياً، أو ثقافياً تذكرت شيخي، وابتهجت غبطةً وامتناناً.

حين تقاعد من عمله في الجامعة، كنت رئيساً للقسم، حين دخل علي بوجهٍ لم أعهده منه أبداً، كان الألم يعتصره على قراره ترك الجامعة التي أحبها وأمضى فيها زهرة العمر.. يومها أدركت مدى إخلاص أستاذي لجامعته، ولقسمه، ولعمله، وللعربية التي ما فتئ يقدم لها، ويدعمها، ويرفعها لواءَ عزة، ومنارةَ هوية مجيدة.. أكمل سعادته المشوار معنا طبعاً، فمثله لا يترك، وعلمه وخبرته عملتان ذهبيتان في بورصة الأكاديميا كما يعرف المتخصصون.. العجيب أن دكتوري لم يتأخر يوماً عن واجب، أو عن مساعدة لي، أو للقسم، أو لطلابه وطالباته.. كان -ويظل- أستاذاً بقلبِ شابٍ يافع مؤمن بالحياة العلم.. وهو مع ذلك كله صديق وفي، لم يبخل بنصحٍ أو بخدمة يمكن أن يقدمها لكل من عرف، ومن لم يعرف، كما أنه رفيق سفر جميل، لا تمل صحبته، ولا تملّ حكاياته الضاحكة منها والباكية، ولا قصائده التي ينظمها أو يحفظها:

فلئن حظيتُ بنظرةٍ من لحظهاثمّ ارتحلتُ فمن حياتي قانعاليوم.. يأخد فارس العربية استراحةَ محارب.. وهو يعلم أن مثله لا يغيب ولن يغيب، وأن مجده لا غروب له، فقد غرسه في الأجيال من أبنائه وبناته، يحملون مشاعله، ويتغنون بذكره، ويدعون له، كلما أنجزوا إنجازاً، وكلما انبثق من صناديق القدر حلمٌ وتحقق.. يدعون له، وينشدون:

فإذا به في العلمِ قامة رفعةٍ

مشهودةٍ أعظمْ بها من قامة

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
تصفح النسخة الورقية
X