Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد بشير كردي

لين الكلام في نيل المرام

A A
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.. وتبدأ أُولى خطوات التعارف بالسلام.. والإجابة به تكون: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)، اتِّباعًا لقوله تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾.

هذا التوجيه الإلهي، أتَّبعه استهلالًا كتَّاب مراسلات الحكومات الرسميَّة، والبعثات الدبلوماسيَّة لنظرائها.. ويليه: تغتنم، أو يطيب للجهة أو البعثة؛ (يُذكر اسم الدولة) أن تتقدَّم إلى مقام، (يُذكر اسم الموجَّهة لها المراسلة): بأطيب تحيَّاتها، ويسرُّها أن تغتنم هذه المناسبة لتبدي (يُذكر اسم الجهة المقصودة من المراسلة).. وتُختم الرسالة بعبارة: (وتفضَّلوا بقبول فائق التحيِّة والاحترام). كلامٌ لَيِّنٌ وخطاب كريم.

أسلوب يتناسب خاصَّة وطبيعة عمل المنتدب الدبلوماسي، وما يوجبه من حسن اختيار تعبيراته في الحديث.. وكذا في التفاوض بالحسنى، والمجادلة بالتي هي أحسن.. وهذا ما وجَّهه المولى جلَّ وعلا لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مَنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾.

سبق لجيلنا أن التزم آداب مخاطبة الأكبر سنًّا بالبدء بكلمة سيِّدي، وبطال عمرك للأعلى مقامًا، ولسيِّدات العائلة (عمَّتي أو خالتي الله يحفظك ويسلِّمك).. مكثت هذه الثقافة سائدة حتى غزت وسائل التواصل الاجتماعي مجتمعاتنا، وحوَّلت اتصالاتنا المباشرة إلى استشعار عن بُعد، ليفقد التواصل المباشر والتخاطب حرارته، ويقضي على آدابه.

وكذا الحال ذاته بين وجهاء المجتمع وأضرابهم الذين سيطروا على مسرح الحكم والتوجيه في بلدانهم التي كانت الأكثر تقبًّلًا للآخر، خالقين زعامات طائفية عنصريَّة تخاطب مجتمعها بعبارات الوعد والوعيد والعقاب الشديد لمن لا يدخل تحت عباءتها ويقدِّس عمَّتها.. فالزي الكهنوتي الذي يرتدونه لتميز أنفسهم من العامَّة كأنَّهم مَن فوَّضهم الله بإصدار صكوك الغفران، ووضع في حوزتهم مفاتيح الجنَّة والنار! وعلى منوال هذا الخطاب الطائفي العنصري البغيض، تنتهج الدول المنحدرة من إرث الإمبراطوريَّات الاستعماريَّة وربيبتها في الشرق الأوسط سياسة عنجهيَّة وغطرسة، مهدِّدة السلم العالمي، وغير مدركة حكمة آية الله، بأنَّ (لكلِّ ظالم نهاية).

وما أحوج ساسة أمَّتنا العربيَّة اليوم، وقد تكالب عليها الأعداء والحسَّاد أن يآزروا المملكة بتكثيف الجهود والعمل معًا لإعادة الثقة فيما بين قادة الدول العربيَّة، والوقف وقفة رجل واحد لإحلال دبلوماسيَّة (الخطاب والتعامل بالحسنى والحق والإنصاف) محل أسلوب الآخرين من دعاة الفوضى الخلَّاقة المدمِّرة التي زرعتها في وطننا العربي القوَّة المتحكِّمة في اقتصاد العالم.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
تصفح النسخة الورقية
X