Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد سالم الغامدي

ديننا يسير.. فمن عسَّره؟

A A
ديننا الإسلامي الحنيف هو دين المحبة والتسامح والسلام التي أكدتها تعاليمه السمحة كالحث على الالتزام بالقيم الفاضلة والسلوكات الحميدة والفضائل المباركة وكل المحاسن الإنسانية وحتى في مسماه الإسلام تجتمع في معناه وحروفه كلمة السلام التي تعني توفير الأمن والسكينة والطمأنينة بين أفراد البشر، لذا جعل الله تعالى تحية المسلمين هي السلام عليكم عند اللقاء مع الآخرين.

وهذا ما تؤكده مضامين الكثير من الآيات الكريمات التي وردت في كتاب الله كقوله تعالى (إِنَّ اللَّّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) وقوله تعالى (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)، وقوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). وهذا ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتمثل به في معاملته مع الناس من القيم والأخلاق الفاضلة كما في قوله صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

كما وأن تعاليمه التي تضمنها كتابه الكريم سهلة وميسرة كما في قوله تعالى (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر).

لكن الذي حدث أن تلك التعاليم التي تضمنتها 600 صفحة في القرآن الكريم قد تضخمت بفعل بعض الفقهاء على مر التاريخ الإسلامي حتى بلغت ملايين الصفحات فتشعبت وانحرفت بالأتباع إلى مذاهب وشعب متناحرة وتنامت حالات الفتوى حتى تحولت إلى باب لإثارة الكراهية والحقد والبغضاء فنتج عنها القتل والتفجير والإقصاء والتنفير فشوهت تلك الممارسات المبتدعة تلك التعاليم السمحة التي تضمنها كتاب الله وتغيرت ملامح هذا الدين العظيم.

ولعل خطبة الوداع التي ختم بها الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته والتي جاءت مختصرة لا تتجاوز مدتها ربع ساعة قد أجملت وأكدت ذلك اليسر في الدين كما وأن آخر الآيات المنزلة في هذا الكتاب العظيم تؤكد اكتمال وإتمام هذا الدين وهي قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ). وبتدبر مضامين هذه الآية الكريمة العظيمة نجد أنها تؤكد بوضوح اكتمال تعاليم ديننا العظيم.

ومن هذا المنطلق نستطيع القول إن ديننا الإسلامي قد اكتمل تشريعه قبل وفاة نبي الله ورسوله واتضح حلاله من حرامه كما بيَّن ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام في قوله : (إنَّ الحلالَ بيِّن، وإنَّ الحرامَ بيِّن، وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس).

وبعد اكتمال التشريع في العصر النبوي أصبح هذا الدين العظيم صالح التطبيق لكل الأزمنة والأمكنة دون أدنى خلاف لكن الذي حدث أنه بعد العهد النبوي الشريف بدأت تظهر بين المسلمين الكثير من الخلافات ذات الصبغة السياسية التي انحرفت بالأمة والدين نحو مطالب السلطة، فكان أولها حركة المرتدين وتنبؤ البعض لأطماع سياسية ثم تنامت تلك الخلافات في نهاية العصر الراشدي ثم احتدت في العصر الأموي وبعده العباسي الذي بلغت فيه ذروتها حيث برزت خلال تلك الفترة الكثير من المذاهب والطوائف السياسية لتتخذ كل طائفة منها الدين الاسلامي عباءة تلتحف بها لتحقيق مآرب سياسية.

وهكذا ألقت السياسة بظلالها على التشريع فاختلط الأمر عند الكثير من عامة الناس وخاصة بعد أن أقحم بعض علماء الشرع نفسه كطرف سياسي شرعي في تلك الصراعات بغية تحقيق أطماع خاصة بعد أن تحول مثل أولئك الى مشرعين يتحدثون باسم الساسة فيحرمون ما يروق لهم ويكفرون من لا ينتمي لهم.

ولعل ما يعيشه المسلمون في هذه المرحلة الزمنية التي تحولت فيها تلك التشرذمات المذهبية الكثيرة جداً الى مسارب منحرفة عن وسطية الدين الاسلامي التي بيّنها الله سبحانه في قوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) حتى بلغت في جذوتها حد قتل الابن أباه وأمه والأخ أخاه وتكفير الغير وتفجير المواقع ومنها المساجد كما أصبحت كل طائفة ترى أنها الوحيدة التي تحمل لواء الدين وتحمي تعاليمه بينما الحقيقة أن الكثير منهم قد انحرف عن وسطية الدين أما من يملك الحقيقة فهو من نأى بنفسه عن تلك الصراعات والتزم بتعاليم دينه التي تضمنها كتاب الله الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والله من وراء القصد.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
تصفح النسخة الورقية
X