Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

ملتقى القنفذة العلمي.. من التاريخ إلى التأريخ

A A
قامت مدينة القنفذة على ساحل البحر الأحمر، عند مصبِّ دِلتا وادي قَنَوْنَى (قنونا)، في الجزءِ الجنوبي الغربي من المملكة، وكان قيامها -بحسب ويكيبيديا- سنة (٧٠٩هـ). قيام القنفذة -في هذا الموقعِ تحديدًا- جعل منها في فترة زمنية سالفة -وحاليًّا- جسرًا رابطًا بين (جنوبيِّ تهامة منطقة مكة ومنطقتَي الباحة وعسير) هذا من جهة، (والعالَمِ خارج شبه الجزيرة العربية) من جهة أخرى، لذا كانت القنفذة -ولاتزال- ثغرًا يصلُ البرَّ بالبحر، وكانت مُناخًا للتجار والمسافرين بحرًا عبْر البحر الأحمر وبرًّا عبر السهل الساحلي بين مكة واليمن، كما كانت مسرحًا لبعض صراعات القوى، ولعل فيما تبقى من حطام السفن الإيطالية الماثلة اليوم على شاطئها دليلاً على ذلك، فظلتْ على هذه الحال حتى دخلت عام (١٣٤٣هـ) كغيرها من مناطق شبه الجزيرة العربية في الحُكمِ السعوديِّ الزاهر فعرفتِ الأمنَ والرخاءَ والتنميةَ والازدهارَ، وحفلَ تاريخُها بالكثير من الحكايات المجيدة والأولويات والجهد فنمتْ وتطورت وحظيتْ بنصيب وافر منَ التنمية.

عرفتُ القنفذة عام (١٤٠٠هـ)، حينَها لم تكن الطريق المسفلتة قد وصلتْ إليها؛ حيث كانت تنتهي جنوبَ بلدة المُظَيْلفِ، وفي كل مرةٍ أزورها أجدها بحالٍ متجددةٍ، وقد كانت لي فيها مواقف وذكريات سواء على مستوى التحصيلِ الدراسيِّ في كلِّيتِها الجامعية خلال فترتَينِ زمنيتَين، أو على مستوى العمل في حقلِ التعليم ضمن منظومة إدارة تعليمها، طالبًا فمعلمًا فمشرفًا تربويًّا، أو على المستوى الثقافيِّ من خلال لجنتِها الثقافية التابعة لأدبيِّ جدةَ، وعلى مستوياتٍ أخرى ليس المقام مقام سردها. كلُّ شيء في القنفذة له حكاية، فتاريخها العريق حكاية، وقيام مؤسساتها وإداراتها الحكومية والأهلية حكاية، ونهضتُها المتعاظمة حكاية، وجزرُها الفاتنة حكاية، وطاحونتُها العتيقة حكاية، وأعلامُها الأفذاذ حكاية، وآثارُها التاريخيةُ حكاية، وشاطئُها الجذاب الممتد حكاية.. إلخ.

ولأنَّ هذا الإرث التاريخي العريق بحاجة لإعادة الروح إليه وتذكير الأجيال به واستلهام العِبر منه فقد صدرت موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز على انعقاد الملتقى العلميِّ عن القنفذة تحت عنوان (تاريخ وحضارة القنفذة عبر العصور) وذلك خلال الفترة (٣-٤ / ٥ / ١٤٤٣هـ) بإشراف مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل، ومتابعة محافظ القنفذة الأستاذ محمد القباع، كما ستبذل جمعية حفظ التراث بالمحافظة ممثلة في رئيسها الأستاذ إبراهيم بن علي الفقيه جهدها الوافر في الملتقى، يأتي ذلك وفاءً مع تاريخِ القنفذة المتطاول الحافل بالإنجاز، ثُم إن إقامة الملتقى فيها جاء بناءً على أصالتها وعراقتها بحسب ما أكده الأمين العام للملتقى الدكتور فهد المالكي (المشرف على الجمعية السعودية التاريخية فرع منطقة مكة المكرمة)، وليضعَ الملتقى أمام أجيال الحاضر وأجيال المستقبل شيئًا من سيرةِ القنفذة (الإنسان والمكان) وتاريخِها، ويضع أمامَها وقائعَ وأحداثًا وأولوياتٍ وهِمَمًا وقفزاتٍ تنمويةً، وكل ذلك تختزنهُ ذاكرةُ القنفذةِ الواسعةُ.

ولعلَّ الملتقى -من خلال أوراق العمل المقدمة والبحوث- لا يكتفي بالاشتغال على سرد (تاريخِ) القنفذة وإعادةِ تدويرِه وبسطِه؛ بل المأمول أن يعمل على تحليلِه وتفسيرِه وطرح الأسئلة حولَه على أُسُسٍ علميةٍ ومن ثَم تدوينه؛ ليخرج بمُخرجاتٍ تكون (تأريخًا) مكتوبًا للقنفذة تقرَؤُهُ الأجيال وتشاهده من خلال معارض مصاحبة للملتقى -وبعدَه- فتذهب في رحلةٍ (تأريخيةٍ) عبرَ العصور تتعرف من خلالِهِا على قصة هذه المدينة العريقة الفاتنة التي انطلقتْ بقوةٍ من عمقِ التاريخِ وطوعت تضاريسَ الجغرافيا وأخذتْ بمقوماتِ الحاضر وحثَّتِ الخُطى لتَسَنُّمِ ناصيةِ المستقبَل، لذا فهي جديرةٌ بكتابةِ تأريخِها وتدوينه وعرضه للأجيال، جديرةٌ باستلهام حكاياتها مع التنمية والازدهار، جديرة بتحويل بوصلة الضوء إليها وتسليطه على مفاصل سيرتها ومسيرتها.

بَوح للقنفذة:

إلى شواطيكِ مالَ الحُسْنُ وانجذبا

‏يا غادةَ البحرِ.. ميلادًا ومُنتسَبا

سَلي النوارسَ عن طاحونةٍ خَلدتْ

سلي القماريَ.. والتاريخَ ما كتبا؟

‏يمضي الأصيلُ إلى خَدَّيكِ مستبِقًا

همسَ النسيمِ ويغدُو الشِّعْرُ مُلتهِبا

وثَمَّ للسِّحْرِ في عينيكِ متَّكأٌ

وفوقَ كفيكِ فاحَ العطرُ وانسَكبا.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X