Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
منى يوسف حمدان

صناعة الحياة السعيدة برؤية مستقبلية

A A
تمر الأيام والسنون في لمح البصر وتجد نفسك أمام مفترق الطرق بعد رحلة طويلة في هذه الحياة تكبر وتصل لمراحل متقدمة من العمر لتتأمل فيما مضى من حياتك وتستشرف مستقبلاً ينتظرك وتقيم واقعك وتسأل في لحظة صدق مع ذاتك هل حققت معايير السعادة التي ينشدها كل البشر مع اختلاف ثقافاتهم وألوانهم ومشاربهم ومناطقهم.. ويبقى الإنسان في كل مكان يبحث عن ذاته وعن وجوده وعن مصدر حقيقي لسعادته، والسعيد حقًا من التزم بمنهج رباني لعمارة الأرض وبما افترضه الله عليه ليكون الخليفة لله على هذا الكوكب الذي ارتضاه الله لأبينا آدم وذريته ليكون مستقرًا لهم إلى حين.

علمتني أمي -رحمها الله- إن الحياة قصيرة جدًا ورأيتها وهي تمارس دورها المثالي كأم وزوجة وصديقة ومحبة للحياة وأنيقة في كل شؤون حياتها وفي علاقاتها مع الآخرين، ولكنها كانت توازن بين حب الدنيا باعتدال وتعلق كبير جدًا بآخرتها وتردد دومًا بأنها تحب الله وتطمح للقائه وفي شوق كبير لهذا اليوم المنتظر والمحتوم فكانت تقول: لماذا تخافون من الموت ومن ذكره لا يخافه إلا من لا يحب الله وأنا أحبه.

هي كلمات بسيطة من امرأة عرفت طريقها نحو الآخرة لتعمرها بعمل تسعى جاهدة لقبوله تعطي بلا حدود وفي نفس الوقت تهتم بصحتها ووزنها وغذائها المتوازن، لم تشتكِ يومًا من مرض عضال ولا تتعاطى أدوية إلا فيما ندر، تهتم بكل ما تقدمه لنا من طعام صحي وبيت تسوده مشاعر الحب والصدق والقرب من الخالق، كنت أراها تكثر من قراءة القرآن وقيام الليل وتهتم بتفاصيل بيتها الجميل والألوان التي ترتديها وتزين بها حياتنا، اللون الأخضر والزرع كان يحيط بها وبنا فلا ترى عيوننا إلا الجمال ولا نتذوق إلا أطيب الطعام من يديها المباركتين.. علمها ربنا جل في علاه بأن السعادة الحقيقية هي في التوازن بين متطلبات الحياة روحيًا وجسديًا واجتماعيًا وثقافيًا ومهنيًا وماليًا.. نعم أمي لم تكن موظفة وكانت ربة بيت من الطراز الرفيع حتى إذا التحقت بدورات تتحدث عن السعادة وجدت هذه الأم مدرسة بل جامعة فريدة من نوعها وأزداد فخرًا بأنها أمي -رقية- غابت عن الدنيا منذ ما يقارب العشر سنوات ولم تغب ذكراها ولا غاب حضورها القوي في أبنائها وبناتها وأحفادها وأهلها وصديقاتها ليكون اسمها خالدًا بالذكر الطيب وزاد يقيني أن عمر الإنسان ليس بعدد سنوات بقائه على ظهر الأرض وإنما ما يخلفه وراءه من سمعة طيبة وخلق رفيع تحلى به وعمل صالح قدمه وابن تركه يكثر من الدعاء والرحمة عليه آناء الليل وأطراف النهار.

حضرت مؤخرًا مؤتمرًا عن الحياة السعيدة وكيف للإنسان أن يحيا وهو راضٍ عن ذاته ومنجزاته وعن كل ما جمعه من أموال أو شهادات ومراكز مرموقة في عمله إن لم يكسب نفسه وصنع له علاقات إنسانية قوية ترافقه حتى نهاية المشوار.. نحن من نحدد ونختار من يرافقنا في رحلة الحياة في الدنيا ليكونوا معنا وفي صحبتنا في الآخرة حيث حياة الخلود.. التقيت بأناس كثر في مشوار حياتي، تعلمت منهم ما ينبغي لي أن أتعلمه كي أحيا سعيدة بكل ما أعطاني ربي من نعم لا تعد ولا تحصى، الإنسان السعيد هو من امتلك قلوب من يحيطون به بخلق رفيع وصدق في مشاعره بدون تزييف ولا خداع، السعادة في الرضا بما قسم الله وبما قدر فالله لا يقضي إلا بخير، كثر من يرددون آيات في كتاب الله وأقوال مباركة من هدي النبوة ومن سيرة خير خلق الله أجمعين محمد بن عبدالله سيد الأولين والآخرين ولكن قلة هم من يصدقون مع أنفسهم أولا ثم مع من يحيطون بهم فيتوافق قولهم مع أفعالهم.

الطاقة الإيجابية والنور الذي يعتلي محيا بعض الناس حولنا نستبشر بمقدمهم ونطرب لسماع كلماتهم لأنهم يلامسون شغاف قلوبنا.. ما أجمل أن نلتقي في حياتنا ببشر يجعل الله لهم قبولاً في السماء ومن ثم يتحقق لهم القبول بين أهل الأرض إن تحدثوا شعرنا بالسعادة النابعة من أعماق قلوبنا، القلب العامر بالحب والعطاء لكل الناس بلا تصنيف ولا إقصاء ولا محاباة ولا يعرف الحقد ولا الحسد والكراهية والبغضاء طريقًا لقلوبهم الخضراء، هم من نبحث عنهم وسنجدهم حتمًا فهم عمار الأرض وهم منبع السعادة والطاقة الإيجابية، اللهم اجعلهم معنا دومًا يحيطون بنا ويزينون أيام حياتنا وطريقنا إليك، فخورة بكل من التقيت بهم مؤخرًا وكانوا إشعاعًا نورانيًا في قلبي وفي حياتي في هذه الرحلة للعالم الأبدي الذي ينتظرنا جميعًا هناك في دار الخلود، استكثروا من هؤلاء ومن الصحبة الطيبة لتزاد أيامنا بهاءً وسرورًا وسعادة وإنجازًا حقيقيًا على هذا الكوكب.. دمتم سعداد فرحين بما آتاكم الله من فضله واشعروا بالامتنان الحقيقي لكل من قدم لكم معروفًا ولو بابتسامة صادقة كل صباح.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X