Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد بشير كردي

طيف الماضي وحقيقة الحاضر!

A A
يعود الطيف ليأخذني من بيت الخال الشيخ عبَّاس إسكندراني في زقاق الحبس القريب من باب بصري في المدينة المنوَّرة إلى حارة الساحة، ونهاية إلى باب المصري، وتوقُّف عند مكتب البريد، يحجز الوالد سيَّارة البريد المتَّجهة إلى مكَّة المكرَّمة، ويحِّدد يوم السفر، وقت ذاك، عرفت مبرِّر انشغال الوالدة فخريِّة هانم في إعداد كميَّات من المعمول بالتمر، والمعمول بالفستق والغريبة والحيسة والدقَّة المدينيَّة لتكون زاد السفر، تأكَّد لي ذلك عند تفصيل الوالدة ملابس جديدة لنا، وإحضار والدي مناشف الإحرام من دكَّان تجاه الحرم.

في ضحى يوم السفر، توجَّهنا إلى الحرم النبوي الشريف، دخلنا من باب السلام، ووقفنا إزاء المواجهةً الشريفة نردِّد خلف الوالد تحيَّات السلام والثناء على نبيِّنا الكريم عليه الصلاة والسلام، وعلى صاحبيه وخليفتيه سيِّدنا أبي بكر الصديق، وسيِّدنا عمر بن الخطِّاب رضوان الله عليهما، ومن ثمَّ اتَّجهنا إلى الروضة الشريفة، ما بين المنبر والمواجهة الشريفة لتأدية صلاة الظهر خلف الإمام الشيخ ابن صالح.

مع تسليمة صلاة العصر، اتَّجهنا جميعًا إلى مكتب البريد في باب الشامي، وكان سائق سيَّارة البريد بانتظارنا، أخذنا مقاعدنا الخشبيَّة نصف الدائريَّة داخل السيَّارة التي على هيئة صندوق خشبي، وفي الوسط أكياس بريد الإمارة، وبريد الإدارات الحكوميَّة وكيس الرسائل البريديَّة، انطلقت السيَّارة باتِّجاه بوَّابة العنبريَّة، هناك، ترجَّل السائق، ومعه إثباتات شخصيَّة الركَّاب، وعاد للسير بنا باتِّجاه أبيار علي، دخلنا المسجد، وصلَّينا صلاتَيْ المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا، ونوينا خلف الوالد العمرة لله تعالى، بعد ارتداء شراشف الإحرام. تابعنا في طريق رمليَّة ملتفٍّ حول السبخات تفاديًا لتغريز عجلات السيَّارة فيها، ولصعوبة إخراجها منها بدون مساعدة آخرين.. كانت الوقفة المسائيَّة في قرية رابغ، وأمام قهوة، يفضلَّها غالبيَّة السائقين، تناولنا العشاء ممَّا أعدَّته الوالدة من حواضر البيت، أخذ كلُّ واحد منَّا سرير شريط من سعف النخل بعد فرشه بالبطانيَّات وتغطيته بالشراشف.

بعد الفطور، تابعنا الطريق باتِّجاه جدَّة وحارة الشام وبيت صديق الوالد الشيخ عبدالله العلي البسَّام، (أبو علي)، هنا تركنا السائق يتابع طريقه إلى مكَّة المكرَّمة، لإيصال ما في عهدته من أكياس البريد، دخلنا مبنى عمارة البسَّام، فاستقبلنا العم أبو علي وأهله بالترحاب، وفتح لنا باب غرف الضيافة لنجفِّف ملابسنا، ونغتسل من وعثاء السفر، في الصباح، بعد فطور شهي إلى مائدة مضيفنا وحرمه، انطلق بنا سائق العم (أبو علي) في اتِّجاه مكَّة المكرَّمة مرورًا بقريتيْ بحرة فحدة.

دخلنا مكَّة المكرَّمة باتِّجاه باب زيادة، وتوقَّفنا أمام منزل شيخ الزمازمة، صديق الوالد الذي استقبلنا بالترحاب وبعد الراحة، أطلعنا على سراديب منزله التي يبرَّد فيها ماء زمزم المحفوظ في دوارق فخاريَّة، صعدنا إلى صحن بيت الله الحرام وفي وسطه الكعبة المشرَّفة التي ما أن شاهدتها حتَّى انهمرت من عيني الدموع من الرهبة والخشوع، تبعنا الوالد إلى صحن الطواف، ومن ثمَّ إلى المسعى، وفي الشوط السابع الأخير، قصَّ الوالد من روؤسنا قليلًا من الشعر فكانت ختام العمرة، وارتدينا ثيابنا التقليديَّة، وصلَّينا ركعتين حمدًا وشكرًا لله تعالى على فضله وكرمه.

أفقت من حلم الطيف مع إطلالة شمس يوم جديد، وأمامي فطور شهي، ولساني ينطق بعرفان الجميل لما بذله الملك المؤسِّس، طيَّب الله ثراه، ومتابعة أنجاله البررة من الملوك، خدَّام الحرمين الشريفين في سبيل إقامة شبكةً طرق معبَّدة بين المدينتين المقدَّستين؛ مكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة، وطرق بريَّة على أحدث تقنيات الطرق العالميَّة السريعة منها والجانبيَّة، رابطة بين مدن المملكة وقراها وأريافها والبلدان المجاورة، وبسكَّة قطار المشاعر المقدَّسة، وقطار الحرمين الشريفين، والعمل على ربط سكَّة حديد الرياض الدمَّام بمدن المملكة الرئيسة، وكذا مدن الخليج العربي، إلى جانب شبكة المواصلات الجويَّة بأسطول طائرات الخطوط السعوديَّة الذي يربط مطارات المملكة بمطارات العالم في جميع القارَّات وموانئ بحريَّة مرتبطة بموانئ قارَّات العالم، وبهذا، في ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ تلتقي كلُّ الطرق.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X