Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

طقوس الكتابة في زمن الكورونا

A A
«الكتابة دائمًا ما تعطي شكلًا من النظام لفوضى الحياة، إنها تنظم الحياة والذاكرة»

إيزابيل الليندي

كان هذا الصباحُ متعبًا للغاية تنبعث منه رائحةُ الضجر والملل، ومع كلِّ هذا حاولتُ إجبارَ نفسي على إحداث بعض التغيير والتجديد، لكنني حقًا لا أعرفُ كيف أبدأ يومي؟ هل أبدأه بكتابة قصة أو مقالٍ ..، أو أرسم رأس أفعى وأفرغ سمها في كأس لأقدمه هدية لمن أكره، أو ألعب لعبة الــ Sudoku تلك التي أغرمت بها منذ زمن ليس ببعيد، أو أقرأُ كتابًا، أو رواية اخترتها بعناية ولكنها لازالت ملاقاة فوق سريري فقد مللتُ أحداثها الرتيبة..، أو أمارسُ الرياضة الصباحية، أو أصغي قليلا لبعض الأغنيات الفيروزية.

- لستُ أدري؟!

الركض نحو الأشياء والأشخاص مرهق جدًا، والبحث عن الفوضى التي بداخلنا وترتيبها بشكل يومي أشدُّ إرهاقًا! فلم يعد ثمّة فرح نستطيع استحضاره، حتى الذكريات كلَّما حاولنا جلبها فإنّها تغدو محاطة بالسواد والحزن والقتامة دائمًا..

فجأة قررتُ الكتابة أسهل الأعمال بدنيًا وأصعبها نفسيًا وفكريًا، ومع هذا فقد قررت أنْ أكتب فلدي رغبة عارمة نحوها، فهي قادرةٌ على تخليصي من أزماتي النفسية، وإفراغ هذا الضجيج والصراخ الذي يسكن روحي، إنَّها بديل عن الأشخاص الذين يتضجَّرون من سماعنا وسماع مشكلاتنا ومعاناتنا، فهي تتحملُ غثيث أفكارنا وعبث هواجسنا.

هل أكتبُ الآن باعتبار الكتابة روتينًا بغض النظر عن الجودة على حد تعبير «تولستوي»؟ أو أكتبُ لأنني أعيشُ هنا وحدي بين هذه الأشياء الصغيرة التي تملأ عالمي الباهت.. كتبي، أقلامي، كوب قهوتي، أوراقي المبعثرة هنا وهناك...، أو أكتب؛ لأنَّ للكتابة لذة لا يمكن أن أدركها إلا بعد الانتهاء منها، أو لأنَّها تمنحني وجودًا معنويًا وعالمًا خاصًا؟؟ أو لأنني أجدُ فيها المساحة الكافية والحرية لأعبِّر عن نفسي وعمن حولي، لذلك كانت معركتي الصغيرة هذا الصباح مع الكتابة وطقوسها، إنَّها تعويذة لا يمكن فكَّ أسرارها إلا بتمائم محصنة ووصفة سحرية.

الكتابةُ ولادة ومخاض لفوضى عارمة بداخلنا، لعطب ما أحدثته الحياة في قلوبنا، لشطب هنا وخدش هناك بحاجة لترميم، لصدمة أحكمت سيطرتها فينا ولم نتمكَّن من اجتيازها، لصورة مشوهة في مخيلتنا لعالم غير واضح الملامح، لهواجس ظلّت حائرة مسجونة في مستودع ذاكرتنا.

الكتابة غياب في عوالم اللاوعي، شيء يجذبك لقاعه فتسقط في فخه، هي صياد ماهر قادر على اقتناصك وإيقاعك في شركه بعد خوض متاهات اللعبة التي اختارتها لك بعناية.

الكتابة لعبة محكمة الأداة تحررك من عالمك الحقيقي لعالم ممزوج بالوجود على الرغم من عزلتك، الكتابة حيلة غامضة تتسرَّبُ منك شيئًا فشيئًا وتجعلك تتوه في حلَّ رموزها لتقع في شرَكِ الأسئلة.

لكن لمن تكتب؟ هل تكتب لنفسك أو للآخرين؟

أن تكتب للآخرين فأنت تخضع نفسك لمزاجيتهم لتصوراتهم لنظام حياتهم وتخرج من معركتك معهم خاسرًا، أما عندما تكتب لنفسك، فأنت تخوض معركتك وحدك لتكون المنتصر الوحيد فيها ولا خسارات.

إنَّ الكاتب الحقيقي عندما يكتب فهو يكتب؛ لأنّه بحاجة لبعثرة حماقاته على الورق، لكبح جماح جنون رغباته، وليعبِّر عن فشله وإخفاقاته، وليبحث عن الحقيقة في عالم مزيف يزوِّق كلَّ شيء ويلون الباهت من كلِّ شيء، يكتب ليبدو أكثر عقلانية وأشدّ فوضى وأحسن تنظيما، يكتب؛ لأنَّ الكتابة وجود وحياة، ولأنَّها بعثُ وخلق للعدم الذي يربكه، يكتب ليرسمَ عالمًا مثاليًا فشل ذات يوم في تحقيقه، يكتب ليطمسَ هذا الوحش القابع في روحه، يكتب؛ لأنَّ في الكتابة نكوصًا يجعله يسترجع الماضي ويعيد ترتيب أحداثه وصياغته بالطريقة التي تروق له، يكتب؛ لأنَّ الكتابة سعيٌ دائم نحو المجهول المرتقب.

إنَّنا عندما نكتب خربشاتنا على الورق فإننا نكتب لنرسم فوضى وساوسنا ونرتبها، لنرصد أحلامنا وننظمها، لنبعث أرواحنا من جديد، ونخلق نماذج نتمناها في واقعنا، نكتب لنعيش مع شخوص مبهمة لواقع اصطدمنا بشخوصه، نكتب لنتحرر من إيقاعات حياتنا الرتيبة المملة، نكتب لنهدر هذا الوقت الفارغ من الأشخاص الحقيقين، نكتب لنحمي أنفسنا من عزلتنا الإجبارية، نكتب لنبثَّ في الحياة الأمل ونمحو الوجع والرتابة، لندون أفكارنا وننعتق من أفكار الآخرين، نكتب لنلتقط الصور الحزينة والمفرحة ونبعثرها على الورق، وكلٌّ يغنِّي على ليلاه، نكتب لنعزف أجمل الألحان على أوتار قلوبنا الصدئة.

إنَّ الكتابة معركة بلا أسلحة معركة خيالية أبطالها يجيدون التسلل والسيطرة ثم الإحكام، معركة لا تحتاجُ منك إلا لبعض الأدوات والكثير من القوة لخوض معتركها، تترصدك وتظل تتوه بداخل عقلك لتستحضر سيناريوهات وأحداث وعوالم مستبطنة، ثم تشرع في الانهمار والتدفق.

الكتابةُ رقص على دفتر الحياة، أغنيةٌ لأسئلة عطشى، وعزفٌ على أوتار الذكريات الحزينة، ورسمٌ على لوحة الحياة العابقة بالأمنيات، هي أحجيةٌ لكسر الزمن وتدفقه، والوقوف عند زمن مكتظ بالفرح، ولحظةٌ أبدية نعيش فيها مع أحلامنا ونحلِّق بها، إنَّها كمينٌ لأولئك الذين يريدون أن يجتازوا هشاشة الواقع ليرتِّبوه، هي جمهورٌ كبير من المصفقين المعجبين أو الكارهين الذين يترصدون ليخلعوا عليك المسميات.

هي شكٌّ مهاود ومخاتل يسرقُ منك هدوءك وصمتك لتحيا تحت وطأة الأسئلة، ويقينُ يتسلحُ بالتأني والحياد، هي ينبوع يتدفَّقُ على صفحات الورق يصعد .. يهبط ليكون رهن إشارتك، هي تلويحةُ طفل يودِّع لعبته الأثيرة بعد أنْ هشَّمها.

هي صراعٌ بينك وبينك، وشغفٌ يربكُ وجودك، نخبُ المنتصرين ببطولتهم، وشقوة المهزومين في معاركهم، وغواية المخطئين بخروجهم من جنتهم.

هذه هي الكتابة وهذا هو فعلها، فإمَّا أن تكنها وتكمل مسيرتك في رحابها متسلحًا بكلِّ أدواتها وإمكاناتها وإستراتيجياتها، وإلا فتوقف!!

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
تصفح النسخة الورقية