Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

بين العقل والقلب!

A A
أيهما أجدر بالاتباع، العقل أم القلب؟، أيهما تسلك إليه الطريق أم أيهما تأخذ به، أم أيهما تقدمه في موقف أو اختيار أو التحام ..! قال إلفرد دي موسيه «شاعر ومسرحي وروائي فرنسي»: «أقرع باب القلب ففيه وحده العبقرية وفيه الرحمة والعذاب والحب وفيه صخرة صحراء الحياة حيث تنبجس أمواج الألحان يوماً اذا مسَّتها عصا موسى». هل المرأة استلهمت تلك المقولة فأصبح باب قلبها يقرع منذ الأزل، وإذا كان القلب يحوي كل تلك المعاني التي ضمنها (موسيه) في مقولته، لماذا يصنف هذا الجانب العاطفي في المرأة عيباً أو نقصاً؟ بينما يتفوق الرجل على المرأة لأنه يملك زمام القلب ويطلق العقل؟.

لماذا جعلنا من هذا التمييز قاعدة أساسية تنطبق على كل الرجال والنساء؟، ولماذا جعلنا من هذا التمييز صفة فوقية للرجال؛ بأن سلطان العقل هو الحاكم في العواطف والمشاعر؟.

لماذا نحن العرب فقط نقف على الحدود؛ نعطي كل الحقوق للرجل لأننا نزعم أنه يدوس على قلبه ويحكِّم عقله، نسلب المرأة أهم الحقوق لأنها تسلم القياد إلى القلب كما نزعم، وإذا أسلمت القياد للعقل اتُّهمتْ بالقسوة والتحجر أو المرأة الحديديةكما أُطلق على بعض النساء اللاتي وُصِفن بالقسوة والدموية!.

الرجل إذا أبدى عواطفه وأظهر مشاعره وُصِم بالضعف حتى الطفل اذا جاشت مشاعره وانهمرت دموعه تجد من يلصق به صفة الأنوثة وأن الرجل لا يبكي، فقط البنات يبكين! أظن هذا يُحدِث فصاماً في الشخصية ربما نستفتي طبيباً نفسياً يحدد لنا حجم الخراب الذي يحدث في النفوس التي تُروض على تجاهل الرحمة والعاطفة من أعمال القلب، أو تجاهل العقل والتطرف في استخدام المشاعر والعواطف!

المشاعر والعواطف لغة القلب، التدبر والتفكر عمل العقل، كلاهما ضرورة لتوازن الشخصية الإنسانية، يقول عباس العقاد: «الإنسان لا يحيا بالعقل وحده ولا يفهم بالعقل وحده، ولكنه يحيا بالحياة التي هي مجموعة من الحس والغريزة والعطف والبداهة والخيال والتفكير، وكذلك يفهم بالحياة التي هي مجموعة من هذه الملكات كيفما تعددت فيها التسمية والتقسيم» ص288، (ساعات بين الكتب). إذا كان ذلك كذلك؛ فالتمييز والتقسيم على أساس الجنس لا يستقيم مع الحياة، التي هي مُلك الانسان، فالمرأة والرجل لديهما ذات الملكات، والمرأة في مجتمعنا بعد أن فتحت لها أبواب العلم أثبتت أنها تمتلك العقل الواعي بجانب عاطفتها، وأنها استطاعت الموازنة بينهما، حتى قبل التعليم. لنا في أمهاتنا أسوة حسنة، في موازنة القلب والعاطفة في مراحل تربيتنا وتعليمنا ومواجهة الحياة بإمكانياتها المحدودة، من تلقت قسطاً من التعليم ومن حُرمت منه، لم يكُنَّ ضعيفات أو بدون عقل، بل منتهى التعقل ومنتهى العطف والرحمة. وإذا نظرنا إلى جانب آخر متطرف في وصف العقل وقد أتى من أصحاب النزعة الرومانتيكية الذين قالوا: إن العقل منبع الشرور يفسد مشاعرنا ويقتل الحقيقة النابعة من القلب»، بينما وصم الكلاسيكيون العواطف التي هي من عمل القلب بالشرور!.

وأميل إلى وصف العقاد كثيراً، لأن الانسان أي انسان اذا تخلَّى عن العقل أو تخلَّى عنه العقل فقد فاعلية الحواس فالرؤية بلا تبصُّر والسمع بلا تدبُّر، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وإذا فقد العاطفة والرحمة فقد تخلى عن إنسانيته، وفقد إحساسه بالحياة، مباهجها وأحلامها، آمالها وآلامها، الحزن والفرح كل ذلك من عمل القلب. بين العقل والقلب روابط ووشائج لا يمكن فصلها، فالقلب مضخة الحياة ومحضن العواطف، إذا توقف القلب توقفت الحياة، فالعقل والقلب معاً يتكاملان في الرجل والمرأة، لكن ربما المواقف هي التي تفرض إعلاء العقل أو القلب، لكنهما معاً سر الحياة!.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X