Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

مقدسيات

A A
أكرمني الله بنعم هائلة لم أتخيلها، ومنها شرف التدريس لمدة خمس وثلاثين سنة في الوطن والخارج.. وحظيت بشرف تدريس مجموعات كبيرة من الأبناء المتميزين في مجال دراسات العمران، كل منهم بطريقته وبشخصيته الخاصة، وكل منهم له مكانة كبيرة في قلبي.. وكنت من المحظوظين، فقد شاركت في العديد من الدراسات الرائعة في مدن مختلفة، وكانت أجملها هي دراسة لمدينة القدس الغالية.. قبل حوالي عشرين سنة عملت مع إحدى الجامعات الأمريكية في مشروع دراسة توثيق القدس التاريخية، ووجدتها فرصة رائعة لنقل الخبرة إلى جامعة الملك عبدالعزيز في جدة للمشاركة مع أبنائي الطلاب فقمنا بتكوين فريق لدراسة تلك المدينة الرائعة الصامدة.. درسنا جغرافية المدينة، وتاريخها، وتخطيطها، وتصميمها، وسياساتها العمرانية، وكانت من الدراسات الممتعة والمحزنة في آن واحد لأن القدس مدينة جميلة جدًا، وغنية بالتاريخ، وبالآلام، والمفاجآت.. بيت المقدس في قلوبنا دائمًا، ولكن تخيل أنها أقرب مما نتخيل من الناحية الجغرافية أيضًا فهي تبعد عن مكة المكرمة مسافة حوالى مئة دقيقة فقط بالطائرة، وتبعد عن القاهرة بما يعادل المسافة من جدة إلى المدينة المنورة، ومن عمان بما يعادل المسافة من مكة المكرمة إلى جدة.. وتخيل أنها تتحدى إحدى المقومات الرئيسة للمدن التاريخية فلا تتوفر فيها الموارد المائية بوفرة، ولا تقع على ضفاف بحار أو أنهار تسمح بقيام التجارة أو الصناعة لدعم اقتصادها وبالرغم من ذلك، فقد صمدت، بل وتألقت تاريخيًا وثقافيًا وسياسيًا.

ومن جماليات القدس أيضًا أن المسجد الأقصى هو المعلم الأكثر تأثيرًا في شخصية المدينة بالرغم أنه ليس الأكثر ارتفاعًا.. والمقصود هنا أنه يشكل الهوية البصرية المميزة للمدينة، كما أنه يكون المنطلق الأساس لتوزيع أحياء وأسواق وفراغات المدينة.. وتذهلنا زهرة المدائن بلمس جميع حواسنا.. البصر، والسمع، واللمس، والشم، التذوق.. والمقصود هنا أن بالإضافة إلى مبانيها التاريخية الجميلة، وألوانها الرائعة التي تتغير فتبهر الناظر حسب كمية الضوء الواقعة عليها، ومساحاتها المفتوحة، وبواباتها الجميلة، وسورها المنيع، وأبراجها، ستجد أيضًا أن أرضياتها وجدرانها الحجرية الصلبة، وأزقتها الضيقة توفر الملمس المتميز، وتصدر بصمات صوتية فريدة.. وأسواقها التاريخية مثل سوق «العطارين» وسوق «القطانين» لها روائح وألوان مميزة تضيف الكثير إلى شخصية المدينة الفريدة.. وتضيف محلات الحلوى الشهيرة مثل «زلاطيمو» و»جعفر» الأبعاد السكرية ذات النكهة الفريدة.. ومن روائع القدس أنها مدينة غنية بالثقافة والحضارة ففيها العديد من المدارس والمستشفيات التاريخية.. وقد أخرجت القدس بعض من أفضل الكوادر الثقافية بسبب بيئتها التعليمية المتميزة، وفي كل مكان في تلك المدينة ستجد ما يذكرك بماضيها العريق وخصوصًا أنها حافظت على بعض من أهم المقدسات للعالم بأكمله.. وللعلم، فتاريخ بلدية القدس ومجلسها البلدي هو من الأغنى والأقدم في العالم العربي. ومما لاشك فيه أن القدس قدمت للعالم الكثير من خلال كنوزها العمرانية التراثية، ولكن العالم لم يرد ذلك الجميل فتاريخ المدينة الحديث بالذات مشبعًا بالقسوة وفقدان العدالة ونكران الجميل.. من محاولات طمس للهوية الحضارية، إلى عدم احترام الطابع العقائدي للمدينة، إلى الترقيع والتقسيم والظلم للبشر والحجر على السواء.. تخيل أن تكون إحدى أهم المدن المقدسة في التاريخ هي من أكبر مواقع الظلم الإنساني والعمراني الذي نشهده الآن.

أمنيـــــة

أتقدم لجميع طلبتي الكرام بالشكر، وبالذات لفريق دراسات القدس وهم: د. سامر باعيسى، وم. علاء الثقفي، وم. عبود القحطاني، وم. خالد العطوي، وم. منذر الطلحي، وم. سعود الدوسري، وم. باسم الشريف، وم. محمد عمر ولي، وم. معتز الشيخ، وزملائهم.. وأتمنى أن نرى المزيد من التوثيق الثقافي لأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين في جامعاتنا ومدارسنا ومكتباتنا، فهي من مراكز التميز العمراني المتألقة، بل هي مدرسة عمرانية غنية، كما أنها تعكس حال الضمير العالمي، وسترى المستقبل الأفضل بمشيئة الله.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X