Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

إنهم تاج رؤوسنا.. فلنحتفظ بهم

A A
في مقال لصحيفة الوطن أثار لغطاً وجدلاً اجتماعيًا لعنوانه المستفز (أنهم يتكاثرون فلنتخلص منهم) في إشارة من الكاتبة ميسون الدخيل لكبار السن وأنهم الشريحة الأكثر تكلفة في المجتمع؛ بما أنه ليس لديهم أي مردود اقتصادي ولا يقدمون أي عائد للدولة، وهم يستنزفون خزينة التقاعد.. وغيرها من العبارات المسيئة!! وقد صادف نزول المقال في نفس اليوم الذي قدمت فيه لقاء زووم بعنوان: (الكتابة من العشق إلى الاحترافية)؛ لتوضيح دور العاطفة في الكتابة الأدبية وخاصة المقال، وقد جاء ذلك الموضوع على طبق من ذهب لأستشهد بنوع من أخطر أنواع المقالات وهو المقال الساخر أو التهكمي (Sarcastic Essay) وأنه كثيراً ما تؤدي السخرية إلى مزالق للكاتب لنقده للآخرين والتهكم عليهم؛ وكم من الكتَّاب أوقفوا عن الكتابة نتيجة لنقدهم وسخريتهم واستفزازهم لجهات اعتبارية..

وبالرغم من أن الكاتبة قد أوضحت في منتصف المقال إن هدفها من تلك العبارات هو أن الكتابة الساخرة شكل من أشكال الأعمال الأدبية والفنية، وهي للقارئ ذي العقل الجاهز للاستقبال وتقصد هنا تصديق كل ما يطرح دون تمحيص وتفكر.. ولكن لحساسية الفكرة أساسًا؛ فالتخلص يكون من حشرات أو بكتيريا ضارة تتكاثر وليس من شريحة غالية على قلوب المجتمع السعودي الذي عرف بقيمه وأخلاقه، فلم يتمالك القارئ ضبط مشاعره وتصديق الحلول التي وضعتها في منتصف المقال ومنها «إن الغرب يعد العمل عنصراً محورياً في حياة الفرد ولجأوا إليه لتشجيع كبار السن على البقاء لفترة أطول في القوي العاملة باعتباره الحل الأكثر جدوى للضغوط المالية والتحديثات الاقتصادية المتعلقة بهذه الشريحة..»

كما اقترحت «التقاعد المرحلي أو التدريجي لهم لاختيار ساعات أقل للعمل» بل أكدت «إن الموظف أو العامل الأكبر سناً يعتبر ذا قيمة للمؤسسة والزملاء الأصغر نظراً لمعرفته وخبراته.. وأن بقاءه في العمل له فوائد صحية إيجابية نفسية وجسدية وبهذا تنخفض التكاليف الصحية من علاج ودواء..» بل طالبت بترجمة المقترح إلى سياسات ومنها الاعتراف بكرامة الفرد واستقلاليته.. وإنه يجب تكييف أنشطة العمل مع الكفاءة البدنية والعقلية للفرد.. وفي خاتمة المقال أكدت على أنه «من المرجح أن تتجاوز فوائد الرفاهية الاجتماعية على المدى الطويل التكاليف الأولية بحيث تساهم في تحسين الاقتصاد الكلي وأنه إذا بدأنا بمقايضة حياة كبار السن بالاقتصاد فمتى وأين سيتوقف هذا الأمر.. فالتضحية بكبار السن الذين ما زال لديهم الكثير من العطاء لها تكلفة أيضاً...».

وللأسف كل ذلك لم يره معظم القراء الكرام الذين أثارهم عنوان ومقدمة المقال واعتبروه إساءة تقوم على حب الشهرة وبعضهم للأسف أمعن في الإيذاء الذي لا يليق بنا كمجتمع راق وأخذوا بالرد على المقال ومنهم مشاهير السوشيل ميديا.

ولست هنا في موضع الدفاع عن الكاتبة؛ ولكن هناك خطوطاً حمراء يجب أن يدركها الكاتب قبل أن يستخدم الأسلوب الساخر في الكتابة وهي قيم المجتمع وأخلاقه وآدابه الإسلامية، والجهات الاعتبارية التي لا تقبل الاستهزاء مهما كان الهدف.. وكبار السن بالنسبة لنا في المجتمع السعودي لهم أهمية قصوى حتى على مستوى الدولة فقد أولتهم اهتمامًا خاصًا وليس أدل على ذلك في جائحة كورونا كانت لهم الأولوية في اللقاحات، بل نرى الآن في المسجد الحرام الأشواط الأقرب للكعبة هي لكبار السن تقديراً لهم؛ والرسول يقول: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا).. وكبار السن أفنوا زهرة شبابهم في خدمة الوطن، بل قامت على أكتافهم التنمية الحضارية في الدولة فـ(هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)؟!

إن من أهم عناصر مهنية الكاتب الكفايات التواصلية ومنها احترام القراء وعدم استفزازهم، بل أن يكون عرض الفكرة متجانساً مع عواطف ومشاعر المتلقي.. وفي المقابل أن يمتلك القارئ القدرة على تمحيص الأفكار وقراءة ما وراء السطور بل التحليل والتصنيف للأفكار وهذه من مهارات التفكير الناقد التي يجب أن تتوفر في القارئ الحصيف.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X