Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

المتقاعدون لا يعيشون مرتين!

A A
حتى لا تذهبوا بعيدًا؛ فكاتب هذه السطور متقاعد، ولذلك فحديثه عن المتقاعدين لن يأتي من باب الجهل بهم أو الغيرة منهم أو الحسد لهم.. المتقاعدون شريحة كبيرة ومتنوعة أمضت زهرة شبابها في خدمة وطنها ومجتمعها بما تملكه من مهارات وقدرات، وهم يأتون على ضربين؛ ضرب عجَّل بالتقاعد وهذا النوع من التقاعد يسمى (تقاعدًا مبكرًا)، وضرب بلغ السن المفترضة للتقاعد وهذا النوع من التقاعد يسمى (تقاعدًا نظاميًّا).

ومع تكاثر أعداد المتقاعدين ظهرت بعض الأصوات مناديةً -من مبدأ الحرص- بضرورة الاستفادة من المتقاعدين، ومع وافر الاحترام لهذه الأصوات فكأنها لا تعلم أن المتقاعدين أمضوا عقودًا في أعمالهم وقدموا خلالها ما يستطيعون تقديمه وهم في فورة الشباب وقمة العطاء، وهم اليوم وإن كانوا يمتلكون بعض الخبرات إلا أنهم وصلوا لمرحلة التشبُّع واستنفاد الطاقات، بل وصلوا لمرحلة عمرية لم تعد فيها أجسادهم ذات قدرة تمكنهم من ممارسة ما كانوا يمارسونه بالكيفية نفسها.. وعلى هذا يبدو أن تلك الأصوات لا تعترف بحركة الزمن ونواميس الحياة، وكأنها لا تعلم أن هناك حشودًا من الشباب على أرصفة الانتظار يترقبون الفرصة ليحلوا مكان المتقاعدين ويقدموا ما بوسعهم تجاه وطنهم ومجتمعهم، وكأنها لا تعلم أن المتقاعدين قدموا أفضل ما لديهم خلال سنوات عملهم وليس بإمكانهم تقديم أكثر من ذلك بعد تقاعدهم.

المؤكَّد أن رجوع المتقاعدين لأعمالهم السابقة هو في حكم المستحيل اللهم إلا في المجال الأكاديمي الذي ربما يُسمح للأكاديمي بعد تجاوزه سن الـ(٦٥) بالتعاقد مع الجامعة، وهنا لا أرى ضرورة تستوجب هذا التعاقد؛ فالأكاديمي مهما كان جهده وعلمه لن يكون بعد الخامسة والستين بالطاقة نفسها، وربما تكون محاضرات أكثر المتعاقدين مجرد اجترار لماضيهم المجيد على رؤوس طلبتهم.

عودة المتقاعدين إلى أعمالهم السابقة غير ممكنة -كما ذكرتُ- اللهم إلا في المجال الأكاديمي، ومناداة تلك الأصوات بالاستفادة من المتقاعدين عمومًا -ولو جزئيًّا- في المؤسسات الحكومية والأهلية بوصف المتقاعدين خبراء وأصحاب فكر وغير ذلك من المبررات لا أرى لتلك المناداة وجاهةً في ظل استفراغ المتقاعد جهده وطاقته وفكره، وفي ظل حشود الشباب التي تنتظر دورها في الوظيفة، وفي ظل التقنيات الحديثة التي أغنت عن بعض الموظفين الشباب فكيف بالمتقاعدين؟! هنا لا أُعمم؛ فبعض المتقاعدين ربما أن لديهم (ظروفًا قاهرة) تجعلهم يبحثون عن عمل بعد تقاعدهم وهؤلاء لا تثريب عليهم، لكن العجب يأتي من المتقاعدين الذين يبحثون عن العودة للعمل -خاصة في مؤسساتهم- ربما رغبةً منهم في البقاء في (دائرة الاهتمام) أو (لسد النقص اليسير الذي حصل في رأس المال).. وبالمحصلة فإن ما نسمعه من نداءات تطالب بالاستفادة منهم -وإن كانت غايتها الحرص- فإنما هي من باب وضع المتاريس في طريق الشباب ومن باب تحميل المتقاعدين ما لا يحتملون ومن باب (مكلف الأيام ضد طباعها).

المتقاعدون -وخاصة المعلمين وأصحاب الرُّتب والمناصب العالية- أكثرهم أوضاعهم المالية جيدة (بسبب مرتباتهم التقاعدية وبعضهم لديهم دخولات إضافية) وهؤلاء إن كان فيهم من طاقة وحب للعمل فينبغي أن يوظفوها (احتسابًا) لصالح مجتمعاتهم؛ فمجالات خدمة المجتمع كثيرة ومتنوعة، فالعمل اسم جامع لكل ما ينفع العباد والبلاد، كذلك بإمكانهم الاستفادة من أوقاتهم وطاقاتهم في أعمالهم ومصالحهم الخاصة -أيًّا كان نوعها- التي تدر عليهم دخلاً إضافيًّا، ولا أظن أكثر المتقاعدين إلا لديهم مصالح إضافية وفي هذا أجر ومنفعة لهم، مع أنني مؤمن بأن التقاعد فرصة لاستقبال الحياة بصفحة جديدة، فرصة لاستثمار الأوقات في إسعاد النفس والترويح عنها بعد سنوات العطاء، فرصة لمراجعة الحسابات مع الله ومع الناس، فرصة لممارسة النفع المتعدي والعمل التطوعي، أما أن يبقى المتقاعد -بعد تقاعده- يتشوَّق للعودة للعمل المؤسسي نفسه أو ما يماثله (ولو جزئيًّا وفي أدنى مستويات العمل) وكأن الميدان ليس فيه سواه أو أن المؤسسة ستنهار من بعده، فربما لأنه لم يقم بعمله في سنواته الخوالي خير قيام ويريد أن يبدأ صفحة تصحيحية جديدة، أو لأنه يطمع أن يزيد في دخله، أو لأنه يرغب في العودة لدائرة الضوء.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X