Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

هل أيقظ دوغين مفكري العرب؟!

A A
لا تزال النداءات تتوالى داخل المجتمعات العربية داعيةً إلى التوازن الواعي في التعاطي مع الليبرالية وبقية الأيديولوجيات والنظريات الغربية التي تتدفق بغزارة على العالم كله -بما فيه العالم العربي- مدفوعةً بغريزة الهيمنة الاستعمارية، مسنودة بما أنتجته الرأسمالية المادية من علوم وأسلحة وتقنيات. نزعة النداءات داخل المجتمعات العربية جاءت ردة فعل طبيعية مضادة للاندفاع الحاصل من بعض النخب الفكرية العربية خلف الليبرالية والأيديولوجيات والنظريات الغربية؛ حيث ترى تلك النخب أنه لا ضرر في تَلقي تلك الأيديولوجيات والنظريات وتطبيقها حرفيًّا في الواقع العربي المعيش دون فحص وفرز وتمحيص، ولذا كان من أهم ما خشي عليه المنادون بالتوازن الواعي معها هو الهُوية التي تمثل آخر الحصون في المجتمعات العربية؛ فمتى ذابت هوية مجتمع، تحوَّل إلى مسخٍ تابعٍ. هذا الجدل العربي كان ولايزال مستمرًّا وربما يطول أمده، لكن اللقاء الحواري الأخير الذي تم -عبر برنامج المقابلة- مع الفيلسوف المفكر الروسي (ألكسندر دوغين) جاء ليضع الأمور في نصابها، ويُحدث هزة عنيفة لدى بعض المفكرين العرب تعيد إليهم توازنهم؛ حينما شاهدوا فيلسوفًا مفكرًا بحجم دوغين يعطي دليلاً صارخًا على أهمية الاعتزاز بالهوية، ويُدلِّل على أن الأمم والشعوب الحرة لا تقبل أن تكون تابعة، وإنما تكون -كما ذكر- مشاركة في صناعة التاريخ العالمي واتجاهاته

دوغين لا يخجل -وهو الفيلسوف المفكر- من المجاهرة بأنه من خصوم التحديث بمفهومه الغربي، ويُسمِّيه الاستعمار الجديد (الإمبريالية)، ويعتقد أن من حق الحضارات الأخرى أن تسير وفق طريقة مغايرة لمنهج الغرب، ولذلك رأينا كيف أن أمريكا اغتاظت منه، فلم تَدْعُهُ إلى أراضيها منذ العام ٢٠٠٥م .

في حديثه عن الإسلام والعالم العربي يؤكد دوغين أن عدد المسلمين في العالم العربي الذين يدركون أن الغرب ليس حليفًا ولا صديقًا لهم؛ هم في تزايد مستمر، وأن القيم الغربية لا تجمعها أي صلة مع الحضارة الإسلامية، ثم يأتي بما لا يرغب فيه الداعون لحصر الإسلام في مجرد العبادة وحسب، حينما أكد على أن الإسلام ليس دينا فقط؛ بل هو فلسفة سياسية واجتماعية واقتصادية.. وأن الإنسان بدون دين يفقد كرامته الداخلية. في الآن ذاته يؤكد أنه ليس ضد قيم الليبرالية، ولكنه لا يعتبرها شمولية، بل هي غربية بالدرجة الأولى، ولذا يرى أن الليبرالية الغربية هي أخطر الأيديولوجيات؛ لأنها تحاول السيطرة على بقية النظريات.

اللقاء حفل بالكثير من الأفكار والآراء الصادمة لبعض النخب الفكرية العربية وهي ترى فيلسوفًا مفكرًا اعتادت على مَن هم على شاكلته أن يكونوا محرِّضِين على الانفتاح (غير المشروط) على ثقافة الغرب وأيديولوجياته، وأن يتقبلوا الغرب بخيره وشره، وأن يروا منهجه هو السبيل الوحيد للتفوق، وأن تُستلهَم الليبرالية الغربية في كل جزئياتها، ثم كانت المفاجأة الصادمة لبعض النخب الفكرية العربية الداعية للارتماء في حضن الليبرالية الغربية وأيديولوجياتها حينما أكد دوغين أنه من أشد الداعين إلى تثبيت الأيديولوجيا الروسية المحافظة، وإلى الخروج من سيطرة أمريكا السياسية والاقتصادية والجيوسياسية والثقافية. ومن أهم الفوائد التي يمكن أن تخرج بها تلك النخبة الفكرية العربية من هذا الحوار، هو زحزحة المفهوم السائد لديها القاضي بأن (المفكر أو الفيلسوف) لا يدعو للتشبث بهوية مجتمعه، ولا يلتفت لأيديولوجيته، ولا ينابذ الليبرالية الغربية، بل هو شخص مندفع نحوها بقوة؛ حتى لا يصبح بنظر الغرب رجعيًّا وربما متطرفًا.

لعل دوغين بحديثه هذا أيقظ تلك النخبة من غفوتها، وبث في نفوسها شيئًا من الاطمئنان بأن الفيلسوف أو المفكر يمكنه أن يخالف ما جاء به الغرب من أيديولوجيات ونظريات مادامت تهدد هويته وقيمه، ولا يُعَد ذلك رجعية أو تطرفًا.

لسنا في حاجة لتأكيد المؤكد حينما نقول: إنَّ منابذة كل ما يأتي من الغرب (سفه وغباء)، وإنَّ تلقي كل ما يأتي من الغرب دون فرز وتمحيص (تبعية عمياء)، والخير في التوازن بما يعزز الكرامة ويحفظ الهوية، ومع هذا المنطق المتوازن يؤكد دوغين أن هناك انتفاضة عالمية على القيم الغربية، لماذا؟ أقول: ربما لشهوة الهيمنة الطاغية المتأصلة فيها، وربما لمخالفة بعضها للفطرة الإنسانية، وربما لفظاعة نتائجها، وربما لإلغائها الهويات، وربما لتحوّلها عن مبادئها خارج الجغرافيا الغربية، وربما وربما.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X