Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

أمريكا.. من الاكتفاء إلى الانكفاء!

A A
شهد التاريخ البشري قيام إمبراطوريات ذات قوة ونفوذ، ومع كل هذا المبلغ الذي بلغته تلك الإمبراطوريات، إلا أنها لم تصل في القهر والبطش والطغيان ما بلغته (أمريكا) في العصر الحديث. نعم كان لتلك الإمبراطوريات -كالفارسية والرومانية مثلاً- نفوذها، لكنه نفوذ لا يُقارن بطغيان أمريكا اليوم؛ فلم يكن ليبتعد كثيرًا عن حِماها، فيُبطل حقًّا، أو يحق باطلاً، أو يحتل أوطانًا عديدة وبعيدة، أو يرعى محتلًّا، أو يُهيمن -فكريًّا وثقافيًّا- على شعوب وأُمم عديدة.

هنا تأتي مدينتا (هيروشيما وناجازاكي) شاهدتَين على الدمار الشامل للأرض وما عليها من ألوان الحياة، ثم تبرز الحرب الفيتنامية لتشهد على حقبة من الطغيان الأمريكي على شعوب الأرض، ثم تأتي أوضح صورة للمكيافيلية شهدها تاريخ الحروب البشرية حينما أشفقت أمريكا -ظاهريًّا- على أفغانستان من المحتل السوفيتي، وهي تُبطن كسر شوكته؛ كونه -حينَها- القطب المضاد لها، فكانت وسيلتُها لتحقيق غايتها بعضًا من قواتها والكثيرَ من الشباب العربي المسلم والأموالِ العربية والإسلامية، وقد أَلبستْ أمريكا مكيافيليتها تلك لباسًا مقدسًا، فأطلقت على الشباب العربي المسلم المشارك معها مسمَّى مجاهدِين، وبعد هزيمة السوفييت انقلبت عليهم وسمَّتهم إرهابيين، وطاردتهم وزجَّت بهم في سجون جوانتانامو. ثم ها هي اليوم بعد (٢٠) عامًا على وجودها في أفغانستان تنسحب منها، ويعترف رئيسها (بايدن) بأن (طالبان)، التي جاءت أمريكا للقضاء عليها، هي اليوم في أقوى وضع لها منذ عام (٢٠٠١م)، ولعل الأحداث الأخيرة في أفغانستان صادقت على كلامه. ثم كانت أكبر كذبة في التاريخ؛ حينما غزت أمريكا العراقَ بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل، وبعد أن عاثت فيه فسادًا ومكَّنت لإيران فيه، اعترفت بأنها أخطأت الظن، وأن العراق لم يكن يحوز أسلحة دمار شامل، وها هي تستعد للخروج منه لكن بعد (خراب مالطا).

هكذا هي أمريكا، لا تخرج من بلد إلا وتضع عينها على بلد آخر، وغايتها من ذلك القضاء على كل خطر يُهدِّد وجودها أو يُسهم في زعزعة مكانتها في العالم؛ لتبقى القطب الأوحد الذي يدير العالَم، ويَبقى الأمر أمرها والنهي نهيها، خصوصًاً بعد انهيار القطب المضاد لها (الاتحاد السوفييتي) فواتح تسعينيات القرن المنصرم.

خروج أمريكا من أفغانستان لا أظنه تقرر إلا بعد أن عيَّنت الإدارة الأمريكية أهدافها القادمة -مدًّا أو جَزرًا- التي تخضع لعدة اعتبارات، يأتي التخوف من الإسلام في مقدمتها؛ فقد أورد الكاتب علي معدي في مقاله (الغرب وسياسةالبحث عن عدو) بصحيفة الرياض: أن (ويلي كلايس) أمين عام حلف شمال الأطلسي صرح «في مقابلة له مع صحيفة Sud Deutsche Zeitung الألمانية الواسعة الانتشار في مارس (1995) قائلاً: الإسلام الأصولي اليوم يُشكِّل الخطر نفسه الذي كانت تُشكِّله الشيوعية سابقًا، وهو يُهدّد الغرب كما هدَّده الاتحاد السوفيتي.. من قبل، وأن على العالم الحر ألا يُقلِّل من شأن الخطر». في السياق ذكر الباحث الجيوستراتيجي نبيل خليفة في لقاء تلفزيوني: (أن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة (تاتشر)، عندما قيل لها أن الاتحاد السوفيتي سقط، وبالتالي سقط حلف وارسو، فلماذا تتمسَّكون بحلف الأطلسي؟، فقالت نتمسك به لأنه يوجد هناك الإسلام). لهذا كان لابد لأمريكا أن تضع مبررًا لتخوّفها من الإسلام، فحاربته بحجة محاربة خطر ما سمَّته (الإسلام الأصولي)، مع أن الأصولية كما يقول حسن حنفي في مقاله (الغرب وأزمة البحث عن عدو) بمجلة العربي: (ليست فقط دينية؛ فهناك أصوليات مسيحية ويهودية وسياسية وعلمانية واقتصادية وثقافية..).

والسؤال: هل حاربت أمريكا تلك الأصوليات بالكيفية ذاتها التي حاربت بها الإسلام الأصولي؟.. الحاصل أن التدخلات الأمريكية في العقود الأخيرة أصبحت لا تحضر غالبًا -ميدانيًّا ولوجستيًّا- إلا على تراب العالم الإسلامي، من تيمور أندونيسيا إلى أفغانستان، إلى الصومال إلى العراق إلى ليبيا إلى سوريا إلى جنوب السودان -مرورًا بفلسطين- وغيرها. ومع أنه لا يمكن الاطمئنان لنوايا أمريكا؛ لأنها لا تزال القوة الأولى عالميًّا، إلا أنه يمكننا القول إنها ربما وصلت بعد تجاربها وعنترياتها العديدة المدمرة والمريرة إلى مرحلة الاكتفاء بما كان منها في بقاعٍ شتى من العالم، ومن ثَم فضلت الانكفاء على همومها وإشكالياتها الداخلية التي بدأت تظهر وتتوسَّع وتُنذر ربما بانهيارها وأُفول شمسها ولو على المدى البعيد؟.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X