Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

العادة أم الوراثة؟!

A A
العادة مفردة عادات، أي ما اعتاد عليه الإنسان، أي يعود إليه مراراً وتكراراً، وهي مرتبطة بالنشاط البشري من طقوس أو تقاليد، مستمدة من فكر وعقيدة المجتمع، وتشمل مختلف مناحي الحياة. والوراثة مرتبطة بالجينات، وهي العامل المشترك في سمات معظم الصفات الموروثة عند الإنسان.

لكن ما أطرحه اليوم حول هاتين المفردتين «العادة والوراثة»، أي ليس له علاقة بالجينات ولا بالمعتقدات والممارسات الاجتماعية، علاقته مباشرة بالممارسات الإيجابية والسلبية التي يجد الإنسان نفسه مستغرقاً فيها، هل لها علاقة بما اعتاد عليه من الصغر، كحب القراءة مثلاً، هل هي عادة، أم أنه ورث حبها من اعتياده منذ نعومة أظفاره، رؤية والديه مثلاً، أو أحدهما، منعكفاً على القراءة، واعتياده رؤية الكتاب والصحيفة في منزله بجوار المقعد الذي يجلس عليه والده أو والدته، ورؤيتهما يمضون الوقت مستغرقين في تصفُّح الصحيفة أو قراءة الكتاب، كذلك اصطحابه إلى المكتبات ورؤيته الكتب وتحفيزه على اختيار ما يناسب مرحلته العمرية والدراسية؟.

والأمثلة كثيرة على الأنشطة البشرية التي ربما ينتقل داؤها أو دواؤها لنفوس وعقول الأبناء، ربما لا يفطن كثير من الآباء والأمهات على أن «ولدك على ما تعوّديه»، أتصور أن المثل الشعبي: «ابنك على ما تربِّيه، وزوجك على ما تعوِّديه»، أبعد كثيراً من الأمهات عن هذا الدور المهم لما يعتاد عليه الطفل منذ نعومة أظفاره، وما نُعبِّئ به حواسه في المنزل أولاً قبل المدرسة وبعدها حتى يشب عن الطوق، وقد امتلأ بكل ما هو إيجابي من عادات تُحسِّن حياته ومسيرته العلمية والعملية وعلاقاته الاجتماعية.

زوجك يأتي بما اعتاد عليه في أسرته، وبما ملأ حواسه بكثير من العادات والسلوكيات التي ربما لا تنسجم مع طبيعتك أو ما اعتدتي عليه، ربما عليك معرفة كل ذلك قبل الإقدام على العيش مع إنسان لا تعرفين عنه غير معلومات قليلة جداً لا تظهر شيئاً من عاداته وسلوكياته التي ستجدين صعوبة في تغييرها مهما كانت مكانتك في قلبه ومحبته، إلا أن العادة تغلب التطبُّع كما يقولون.

والكلام ذاته ينطبق على الرجل، رؤية فتاة جميلة تُبهر بصرك، لا يعني مناسبتها لطباعك، وما اعتدتَ عليه، عليك معرفة التفاصيل الصغيرة التي تنسجم أو لا تنسجم مع تفاصيلك الصغيرة، لأن تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تُكوِّن شخصية الإنسان، وتصبح هي ذاته.

لذلك، إطالة فترة الخطوبة مهمة لمعرفة تلك التفاصيل الصغيرة التي تعني العادات والممارسات التي تُقرِّب أو تُباعد بينهما، ولا أرى حرجاً إذا تم فسخ الخطبة، فهي مرحلة للتعارف والتقارب، ولمعرفة درجة الانسجام بين الطرفين.

من العادات التي يُنمَّى وعي الصغير عليها؛ المحبة، والتعاون واللطافة في التعامل مع الآخرين، وكذلك الاحترام، وحسن الإنصات، والتحدث بصوتٍ خفيض، والالتزام في المدرسة يصل به إلى أن يكون ملتزماً في حياته العملية والاجتماعية، أتصور كلها ممارسات يمكن للأسرة أن تضعها في اعتبارها وهي تُربِّي أبناءها.

الأسرة ليست عشاً للتفريخ، بل بيئة صالحة لإنتاج مواطن صالح لنفسه أولاً، ثم لوطنه ومجتمعه ولأسرته أيضاً، في كل الأحوال هو الرابح الأكبر من تلك السلوكيات الإيجابية التي ينمو في محيطها ويتغذَّى عليها كالماء والهواء، ليس التعليم الفاخر هو الضمان الوحيد لإنتاج مواطن صالح، بل التربية على العادات السليمة والتفاصيل الصغيرة التي ربما لا يفطن إليها الكثير من الآباء والأمهات وهم يركضون للبحث عن أحسن تعليم وأفضل مكان للترفيه، وكثير من مظاهر الحياة العصرية، بينما فاتهم أن انتظامه في المدرسة والدراسة دون اقتطاع أيام منها للسفر مثلاً، أو الانشغال بمناسبة عائلية، أو استجابة عاطفية لرغبة الطفل أو الابن بعدم النهوض الصباحي هو الذي يُعوّده على الانتظام في العمل مستقبلاً، وأنه أولوية لا يمكنه التساهل والتغيّب بدون ضرورة.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X