Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

جدلية الدِّين والجغرافيا

A A
حاصَرُوه - من وراء البحار - بكل الوسائل والمُمَكِّنات فلم يُفلحوا، ثم استخدموا لغة الترهيب ووصمة الإرهاب فلم ينجحوا، وكلما زادت عملياتهم وتنوعت.. تشعبت جذوره وتمددت واستغلظت. كانوا يظنون أنهم بمكرهم هذا سيصادرون نور الإسلام، فوجدوه قد زاد توهجًا وذهب يتمدد رغمًا عن موانعهم ومصداتهم.. «ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره الكافرون». وعندما نفدت حِيَلُهم عمدُوا - وبعضُ مَن ينتمي للإسلام اسمًا ورسمًا - إلى وسيلةٍ مخاتلةٍ، ليس في قاموسها السلاح ولا الاجتياح ولا العداء الظاهر؛ بحيث تتسلل إلى نفْس المسلم فتجعله يشكك في صوابية انتمائه للإسلام من حيث المبدأ؛ لأن هذا الانتماء - كما يزعمون - ما جاء عن فحص وتمحيص أو عن ممارسة حقيقية للشك الديكارتي حتى يصل إلى أرض الحقيقة الصلبة التي يمكنه الوقوف عليها بثباتٍ تام؛ وإنما جاء نتيجة عامل آخر. على هذا ظهرت جدلية جديدة تجعل من الجغرافيا العامل الأساس في تحديد دِين الإنسان، والمقصود بالجغرافيا هنا المكان أو البقعة الجغرافية التي يولد فيها الإنسان وينشأ، وهذه الجدلية ظهرت بعد حالات اليأس التي أعقبت محاولاتهم الوافرة وغايتها زعزعة المسلم عن دينه، ولولا حالات اليأس تلك ما ظهرت هذه الجدلية المخاتلة. الحبل الذي تلعب عليه هذه الجدلية يتمثل في مواليد العالَم؛ حيث يولد بعضهم على جغرافيا إسلامية فينشَأون مسلمِين، ويولد بعضهم على جغرافيا مسيحية فينشأون مسيحيِّين، وقس ذلك على الجغرافيا اليهودية والشيوعية والبوذية وغيرها. هذا الافتراض في ظاهره يبدو صحيحًا بحسب معطيات الواقع، لكن أصحاب هذه الجدلية لم يركِّزوا على النهايات وما يستقر عليه الإنسان بعد نشأته وظهور الحق له؛ ذلك أننا حينما نقرأ التاريخ نجد أن المسلمين في بداية البعثة النبوية وُلدوا على جغرافيا (شركية محضة)، ومع هذا لم تؤثر فيهم؛ ذلك أنهم حينما عرفوا الحق انصاعوا له وهم داخل تلك الجغرافيا، والأمثلة كثيرة خاصة في فجر الإسلام.

وحينما ننتقل إلى العصر الحالي يبرهن لنا الواقع على تهاوي هذه الجدلية (متى تحركنا مع الحكاية إلى نهايات فصولها ولم نكتفِ ببدايات تشكُّلها)؛ فها هم الكثير الكثير من أتباع الديانات والملل والتيارات في جغرافيات مختلفة ومتباينة - دينيًّا وثقافيًّا - عرفوا طريق الحق فاهتدوا للإسلام وتركوا ما غرستْهُ فيهم جغرافيتُهم الأولى.

الأمر الذي غاب عن هؤلاء هو أن هناك شيئًا اسمه الحق الجلي الظاهر، وهو (الإسلام النقي) الخاتم للديانات الكامل المكمَّل الذي يتسلل إلى القلوب مهما تنوعت الجغرافيات وتباعدت، وعلى هذا فنحن مع هذه الجدلية أمام احتمالين: الاحتمال الأول- أن يولد الإنسان على جغرافيا إسلامية فينشأ مسلمًا، فهل نشكك في إسلامه بعد أن قدَّر الله له أن يولد فوق تلك الجغرافيا ويُهدى للحق المبين الذي وجده أمامه جليًّا ظاهرًا؟

وهل مطلوب منه أن يُعرِّج على كل الجغرافيات حتى يختار الدين الصحيح؟ وهل من المنطق أن يكفر الإنسان بنعمة الهداية ويركب مركب الشك ليمتحن دينه؟ الاحتمال الثاني- أن يولد الإنسان على جغرافيا غير إسلامية، والغالب أن ينشأ غيرَ مسلمٍ ما لم يكن أبواه مسلميَن، ومع هذا فعندما تهبُّ عليه نسائم الإسلام تجده يسارع بالدخول فيه طواعية، فهل منعته الجغرافيا غير الإسلامية عن الوصول للحق (الإسلام)؟ والمحصلة:

نعم للجغرافيا النصيب الوافر في تحديد دِين الإنسان بل ومذهبه وطائفته وتياره، ولكن هذا يتوقف على بداياته، والفاصل في الأمر هو أن هناك حقًّا ظاهرًا اسمه (الإسلام)، فمن وُلد في جغرافيا إسلامية ودان بالإسلام الشائع في تلك البيئة فقد اختُصرت له الطريق فليحمد الهادي وليستمسك بما هدي إليه من الحق ولا يُجيِّر الفضل للجغرافيا، ومن وُلد في جغرافيا غير إسلامية ونشأ غيرَ مسلم، فإنْ قَدَّر الله له الهداية فسيُهدى إلى أنوار الحق، ولن تصده الجغرافيا عن ذلك حتى وإن شكَّلت دينه الأوَّليَّ، فلا تُحمِّلوا الجغرافيا ما لا تحتمل، ولا تعلقوا عليها أوهامكم، ولا تجعلوها وسيلة للتعيير وجسرًا للتنفير في جدلية بلهاء بان فسادها.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X