Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

جدل كل مناسبة.. وأنتم بخير!

A A
ربما لم يعد شبابنا وشاباتنا يلتفتون إلى هذه الحملات التي تعد خصيصاً لتشويه فرحة كل المناسبات والمواسم، كالسماء ترعد وتبرق، تعيق أولئك الذين يترقبون اتجاه البرق والرعد، ليتخذوا قرارهم بالسير في طرقات الاحتفاء بالمناسبة، أو التحذير والتخويف من مجرد المشاركة بالصمت دون تحذير منها، أو تكفير لمن تُراوده نفسه الاحتفاء بها أو المشاركة فيها! قبل شهر ربيع وهو الشهر الذي استقبلت الأرض والسماء مولد النور المبين المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، تنتشر رسائل التحذير والوعيد من مغبة الاحتفال بذكرى مولده عليه السلام، وتعبئة العقول وبث الخوف في النفوس من مجرد التفكير في ارتكاب منكر، مع أن الله وملائكته يصلون على النبي، والمولد تحقيق لهذا الأمر الإلهي: «يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً».

انتشرت هذا العام قبل الكريسماس وأعياد رأس السنة رسائل تُنذر المحتفلين أو المشاركين بالكريسماس بأنهم أقروا بأن «المسيح ابن الله»، في عبارات منمَّقة ورسائل مختلفة، لكنها تتفق جميعها على هذه الفكرة، وهي أن مَن يحتفل بالكريسماس فهو يؤمن بهذه الفرية على الله سبحانه وتعالى، عما يقولون علواً كبيراً! لا أدافع عن المحتفلين، ولا أُجرِّم المنتقدين، ولكني أطرح ما رصدته وتابعته ليس فقط قبل المولد النبوي وأعياد رأس السنة، بل قبل كل مناسبة، هناك من هو جاهز لإثارة الجدل والبلبلة في المجتمع، حتى قبل موسم الحج وشهر المحرم وشعبان والجدل حول الشعبنة مثلاً؛ وهي ممارسة ليس لها علاقة بالدين أو العقيدة، فهي تراث يختمون به كل الممارسات الاجتماعية، وكثير من أنواع المأكل، ويشحذون الهمة لاستقبال شهر الخير والبركة. قبل الكريسماس هذا العام مع بداية شهر ديسمبر، انهالت التصنيفات حول هذه الاحتفالية التي يشارك فيها العالم أجمع، حتى العالم الإسلامي، احتراماً للتنوع داخل المجتمع، والمشاركة نوع من احترام مناسباتهم وعقيدتهم الدينية، وهو يحقق فكرة حوار الأديان والثقافات، التي سعت دولتنا حفظها الله على نشره من خلال المراكز المختلفة في الداخل والخارج.

الأحد الماضي عقد الصالون الثقافي بنادي جدة الأدبي لقاء ثقافياً حول حوار الأديان والثقافات، كانت المداخلات كلها تقريباً تصب في فكرة أو فكرتين، فكرة البيت وأهمية تعليم الصغار احترام أتباع الديانات وثقافات الآخرين، مع أن إحدى المتحدثات نبهت إلى خطأ مفردة «الآخر»، إلا أن «الآخر» هي المفردة المناسبة - من وجهة نظري مع احترامي لرأيها- لتوصيف الآخر المختلف، أو حتى الآخر خارج الذات.

الفكرة الثانية التي طُرحت من خلال المداخلات وأسئلة مديرة الحوار هي فكرة ترسيخ مفهوم الحوار شعبياً! ربما لذلك عدت بعد عودتي من اللقاء إلى جحافل الرسائل المحذرة والمكفرة لمناسبة الكريسماس، لأنها ترسخ فكرة نبذ الآخر، ونبذ ثقافته وممارساته.

الخطر ليس في الجدل اللحظي، بل في المواد المثيرة للجدل، التي تنتشر بسرعة شعبياً، بينما تعمل مؤسسات الدولة الرسمية على ترسيخ منهج الحوار واحترام الثقافات، هذه هي الإشكالية التي لا بد من الانتباه إليها من قبل المسؤولين والقائمين على تلك المراكز والمؤسسات، ومتابعة ما يحدث عن كثب لإعداد وسائل بأساليب مناسبة للوصول إلى العامة قبل وصول تلك الحملات الممنهجة للمناسبات المختلفة، أتصور أن أولئك، وأقصد مثيري الجدل، لديهم فائض من الوقت للتفكير والإعداد لتلك الحملات، وترقب المناسبات الخاصة بنا، وبغيرنا، ومحاولة فرض رؤيتهم أو طريقتها على مجتمع بمختلف فئاته وطبقاته. لكني على ثقة بأن الشباب لديهم وعي كاف، لكن الخطورة على الأجيال القادمة الذين لا يزالون في مرحلة التلقي عندما تُغرقهم تلك الحملات عن طريق المدرسة والبيت، لأن المعلم له التأثير الأكبر على عقول الصغار، فلنحذر أشد الحذر من تلك الحملات وممن يقوم بترويجها!.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X