Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

اليابان وأخواتها.. نهضة بلا فلسفة

A A
لا يزال العَرَب أُسارَى النظرة الأُحادية تجاه أسباب النهضة، مستمسكين بمسلك واحد موصِل للنهضة هو المسلك الأوروبي، ولا يرون لهذا المسلك إلا عنوانًا واحدًا هو (الفلسفة). الجمعة الماضية بسطتُ القول حول الفلسفة وما حُمِّلت من آمال العرب وأوهامهم في سبيل تحقيق نهضتهم، ودعوتهم لعدم الغلو فيها كما غلَوا في (العروبة والتديُّن)، وذلك في مقالي: (لا تغلُوا في الفلسفة) بالمجلة الثقافية بصحيفة الجزيرة. لذلك فالذين يتوهَّمون أن سر النهضة الأوروبية يعود إلى الفلسفة (وحدها) بعيدًا عن مقوماتها الحقيقية (كالعلم التجريبي والإرادة السياسية والإصلاحات الداخلية وغيرها) غالوا فيها كثيرًا، وغابت عنهم نهضات مماثلة في العالم لم يكن للفلسفة سبب ظاهر فيها؛ وإنما لإرادات سياسية حازمة وإصلاحات جذرية حققت لها نهضتها وتقدُّمها. تأتي اليابان أوضحَ مثال؛ ففي كتابه المثبت على الشبكة (التجربة اليابانية..) يذكر «سلمان بونعمان» نقلاً عن «محمد أعفيف» في كتابه: (أصول التحديث في اليابان) أن بدايات النهضة اليابانية تشكلت منذ القرن (١٦)م عبر حركة فكرية وسياسية شاملة تدعو للإصلاح والتغيير، ويؤكد «بونعمان» على أن نجاح التجربة اليابانية كان محصلة لتطورات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها، وأن نهضة اليابان لم تكن مجرد انبثاق مفاجئ في عهد (الميجي) وإنما هي تجربة لها جذورها العميقة، ثم عرج على اهتمام اليابان بالمعرفة والترجمة ودور النشر وترسيخ الثقافة والهوية اليابانية والاعتناء بالأفكار الإصلاحية وإنتاج التقنية، فكانت تلك بعض أسباب النهضة اليابانية الباهرة التي لا تُشكل الفلسفة فيها رقمًا يُذكر ولا تُجير لها. دونكم ماليزيا التي عاشت حالة مزرية من التخلف والفقر، ثم تحوَّلت إلى دولة ذات اقتصاد قوي وتفوق في التعليم والصناعات، وذلك يعود كما ذكر موقع (موضوع) على الشبكة إلى «الإستراتيجيات والسياسات الفعالة التي اتخذتها الحكومة الماليزية في سبيل إعادة الهيكلة الاجتماعية والاقتصادية وتنمية مختلف القطاعات والمجالات مثل الزراعة والتصنيع والخدمات»، وبالطبع لم نجد للفلسفة حضورًا في تلك النهضة. هاكم رواندا في أدغال إفريقيا (لا تطل على بحر) التي لوت إليها الأعناق بعد أن كانت مرتعًا لحروب الإبادة والفقر والتخلُّف، فالتفتت إلى المصالحة والتعليم وحاربت الفساد حتى أصبحت واحة أمن وسياحة واقتصاد، ولم نسمع عن فيلسوف طرح فلسفته في ظلال غاباتها. حلِّقوا وراء البحار لتقرأوا قصة النهضة في أستراليا التي كادت أن تكون (قمامة آسيا) ثم نهضت دون أن يكون للفلسفة حظ في نهضتها. عرجوا على البرازيل في أقاصي الأرض والتي كادت أن تُفلس فنهضت حتى أصبحت سابع أقوى اقتصاد في العالم، وكالعادة لم يكن للفلسفة حضور في معترك النهضة البرازيلية.

دونكم الصين التي أصبحت اليوم القطب العالمي المضاد لأمريكا، اقرأوا عن سر نهضتها تجدوا أن الإرادة والتخطيط والقرار السياسي وغيرها عوامل مشتركة في تعاظم نهضتها وتفوقها.. وقائمة الأمثلة تطول. العرب أمام ظرف تاريخي فاصل، فينبغي أن يتعلَّموا من تجارب الدول -خارج الحزام الأوروبي الذي أوهمهم بالفلسفة- وكيف بنت نهضتها حينما لم تركن لما يجود به الغرب ولم تطلب مشورته، وهو الذي كان سببًاً في تأخرها حينما نهب خيراتها وأنهكها، لذلك قامت تلك الدول على عزيمة داخلية غير مستوردة، فسلكت طريق النهضة الذي يتطلب إصلاحات جذرية حازمة وخططًا تنموية فاعلة، يتطلب محاربة شرسة للفساد وتعليمًا يعزز الهوية والانتماء ويعتني بالعلوم وتطبيقاتها، ورؤية ثاقبة للمستقبل، يتطلب حضورًا لشروط النهضة وتهيئة الظروف الملائمة لها، يتطلب استقرارًا أمنيًّا وموارد اقتصادية وافرة، (والأهم الأهم) إرادة سياسية صادقة وقوية وفاعلة.

إذا ما بقي العرب ينتظرون النهضة من باب الفلسفة وحدها فسيطول انتظارهم؛ فالفلسفة لها اشتغالاتها على الروح والجسد والغيبيات وغيرها، ما يعني أن لها أهميتها ومكانتها في جوانب لا تتماس كثيرًا مع النهضة، ولذا ينبغي ألا نرهن النهضة لها (وحدها)، ثم تأمَّلوا الحال المزرية لليونان اليوم التي هي (منشأ الفلسفة الأوروبية)، هل أغنت عنها شيئًا؟ وهل استحضرت اليونان إرثها الفلسفي في أزمتها ولجأت إليه وعكفت عليه؟ أم أنها عمدت لإصلاحات عملية -بعيدًا عن الفلسفة وإرثها- في محاولة منها للخروج من أزمتها؟.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X