Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

بين الثقة والشك!

A A
يقولون: «بين الفعل وردة الفعل مساحة من الحرية»، المساحة تُحدِّد قدرة الإنسان على التحكم في مشاعره وانفعالاته. وبين الشك واليقين مساحة من الخوف والقلق والصراع، لكنها حتمية، للعبور إلى شاطئ اليقين.

الشك قاد الأنبياء إلى اليقين بوحدانية الخالق.. فيمَّموا وجوههم الشريفة، باتجاه السماء، لم تكن المساحة متسعة ولا عميقة، بل كانت خاطفة سريعة، لمواجهة قوى الكفر والضلال، «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ». وظل سيدنا إبراهيم يراقب السماء «هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ»، فلما أفل ارتقى ذروة الحقيقة بقلبهِ وعقلهِ معًا.

اليقين؛ التثبُّت من الأمر، أي لا مساحة ولو صغيرة يحتلها شك.

لم يعد اليقين مغزولاً في نسيج حياتنا بعد ثبوت النسبية في كل ما حولنا، حتى الحقيقة، إلا الحقائق الإيمانية والقرآنية!.

ما يهمنا في هذا المقال هو العلاقات الإنسانية، التي يجب أن تبنى على الثقة، والثقة تعني أنك متيقِّن من مصداقية ومحبة وإخلاص الآخر، لذلك عندما يكتشف المرء أن يقينه كان وهماً، وأن ثقته كانت واهية، يُصاب بصدمة تُفقده الثقة في الآخرين، ويعيش يعاني من مشاعر الخوف والتوتر في تواصله مع من يقترب منه، لأن الشك يملأ جوانحه، جوانح الإنسان: أضلاعه القصيرة مما يلي الصدر.

الشك عند بعض الناس يتحول إلى مرض أو عذاب، وكثيراً ما يتحوَّل الشك إلى غيمة كثيفة من خداع النفس، تحجب الرؤية الصافية في سماء العلاقة، أيا كانت؛ حب، زواج، أو صداقة!.

يصبح الشك ضباباً جاثماً على القلب، يُقلِّل من فرصة استقبال الحقيقة، أو يعيق رؤية نور اليقين، كذلك إذا تضخَّمت الثقة في الآخر، فإنها تُغلق منافذ الرؤية، خصوصاً إذا اقترب الآخر منك حد التماهي مع الذات!.

المجال هنا يبدو ملتبساً.. لأنه يختص بالمشاعر التي ربما تترجم بشكلٍ خاطئ، أو أن بإمكان الخائن أو المخادع الالتفاف عليها، فيُظهر غير ما يُبطن، فيقع الآخر فريسة للشك في نضوج مشاعره والتباسها وقدرتها على تلقِّي الإشارات بوضوح!!.

الحب حالة لها معطياتها الثبوتية، يقولون: «من القلب للقلب رسول»، لكن هذا الرسول ربما يكون ضعيف النظر، «فيتكعبل» في الطريق، ومع هذا يغمض القلب عينيه عن رؤية ولو جزء من الحقيقة، فيخترع حدوتة: «أكاد أشك في نفسي ولا أشك فيك».

المشاعر لديها قدرة على الاكتشاف المبكر لحالات الكذب والخيانة، لكن الإنسان يُكابر – أحياناً - لحاجةٍ في نفسه لا في نفس يعقوب!.. الالتباس يحدث في الحياة والعلاقات، فمهما وصلت إلى حالة من اليقين، فهي لن تكون بنسبة 100%، فاليقين هو الحقيقة، والحقيقة نسبية!.

بعض الناس يُفضِّل العيش في ليلِ الشك، خوفاً من بزوغ شمس الحقيقة، وهو يُدرك أن الوصول إلى الحقيقة خيرٌ ألف مرة من غمامة الشك، يُصدِّق الأوهام، ويَسعد بالعيش فيها، كمَن يُسافر فوق غيمة كثيفة؛ لا يعرف متى تفرغ شحنتها من المطر، ليجد نفسه يسقط من علٍ قبل أن يبلغ مقصده!، أو أن شكّه يُؤرِّق استقراره، فهو لا يجتاز أي علاقة بأمان، لأن جذور الشك تنمو في قلبه سريعاً، تبث سمومها، وتجدله حول الآخر، فتنتهي العلاقة قبل أن تبدأ!.أحياناً يشك المرء في قدراته، ويظل في شكّه فاقداً الثقة فيها، خوفاً من مواجهة ذاته، مواجهة الذات ومعرفة القدرات وتنمية المهارات ربما هي الطريقة المناسبة لاجتياز المساحة الفاصلة بين الشك واليقين!.

الثقة في صدق وإخلاص الآخر هي الأساس في العلاقات؛ مهما واجهت تظل الثقة هي مفتاح الأبواب المغلقة لكثير من النفوس الإنسانية السوية، التي تتبنى: «أكاد أشك في نفسي ولا أشك فيك»!.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X