Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

أين «المعرفة» من «التعليم»؟

A A
أصاب الشاعرُ الجاهليُّ (زهيرُ بن أبي سُلمى) حينما قال: «لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فُؤادهُ...»، فهو هنا يؤكد أهمية اللسان في الحجة والبيان والإيضاح، فبدونه لا يُعلم ما لدى الإنسان من علم ومعرفة أو رأي وحكمة، مع أن الكتابة بالقلم أو بالآلة ربما أصبحت تحمل بعض العبء عن اللسان وتؤدي بعض المهمات إلا أنها لا تُماثله، لا من حيث السرعة ولا من حيث الإبانة والإقناع. وفي العصر الراهن حلت المطبوعات (الصحف والمجلات...) ووسائط التواصل محل اللسان، لا للإنسان وحده؛ بل للمؤسسات والإدارات والجهات المسؤولة بشتى مسمياتها، فأصبحت اللسان الناطق لها، بل والأذن المنصتة وملتقى الآراء والأفكار والإبداع. تأتي (مجلة المعرفة) التي كان آخر بعث لها -بعد سبات طويل- سنة (١٤١٧هـ) على يد (وزير المعارف) آنذاك محمد الرشيد -رحمه الله- بوصفها اللسان الأبرز الذي منح وزارة المعارف (وزارة التعليم حاليًّا) لسانًا ذَرِبًا كان بمثابة شاعر القبيلة.

بَعثُ مجلة المعرفة أحدث -حينَها- في المجتمع عامة ومجتمع التربية والتعليم خاصة حراكًا تربويًّا وفكريًّا وثقافيًّا جعل من المجلة مطلبًا لمجتمع التربية والتعليم وأطياف المجتمع كافة، فكانت المجلة الحدث الأبرز نهاية كل شهر هجري؛ مبدوءةً بكلمة الوزير، مضمَّنةً أخبار الوزارة وتقارير ميدانية وآراء تربوية وأفكار المعلمين ووجهات نظرهم وإبداعاتهم ومطالبهم ولقاءات فكرية وحوارات وقضايا التربية والتعليم الساخنة وهمومهما وإشكالياتهما، ونقدًا لبعض قرارات الوزارة والميدان التربوي والتعليمي بشفافية لافتة، واستمر ذلك الوهج والانفتاح وسقف الحرية المرتفع سنوات عديدة، ثم بدأ يخفت لسببٍ أو لآخر، حتى توقفت «المعرفة» قبل فترة قريبة عن الصدور بعد حوالى عَقدين من صدورها. لسنا في مقام حشد ما كان من ماضٍ حافل لمجلة المعرفة؛ وإنما في مقام الحث على معاودة صدورها لا في ثوبها (الورقي) الذي ربما يُسبِّب هدرًا ماليًّا؛ وإنما في ثوبها (الرقمي) الذي هو سهل في تصميمه وإصداره، سهل في وصول محتواه للفئات المستهدفة، غير مكلف ماديًّا، ولا يحتاج مزيد جهد ووقت.

صدور مجلة المعرفة يعد ضرورة؛ فكثير من الجهات لا تعدل وزارة التعليم في إمكاناتها المادية والبشرية وطاقاتها الفاعلة، ومع هذا يُصدر أكثرها مجلات تحمل رؤيتها وتوصل رسالتها، بغض النظر عن جودة المضمون أو كثرة القرَّاء. لذا وفي ظل هذه الإمكانات الهائلة (المادية والبشرية) التي تملكها وزارة التعليم يصبح إصدارها مجلة المعرفة في حكم الضرورة الواجبة؛ فالوزارة بمثابة وزارتين (العام- والعالي)، ومسؤولوها وموظفوها أعدادهم وافرة ومعظمهم في الأصل معلمون، ومَن هم تحت مظلتها (المعلمون والمعلمات) يزيد عددهم على (نصف مليون)، والطلاب في التعليم العام والجامعي حوالي (ثمانية ملايين)، ويزيد عدد الأكاديميين في الجامعات الحكومية والأهلية عن (ستين ألفًا)، وفئة كبيرة من المجتمع هم معلمون متقاعدون. كل هذه الأعداد الضخمة المتصاعدة -حوالي ثلث سكان المملكة- التي تمثل الصفوة؛ جديرة بلسان يجمعها وتلتف حوله، وهي قادرة على إغناء المجلة بمحتوى رائع؛ كون غالبيتها تملك المعرفة الوافرة والأفكار القيمة والثراء الفكري، والخبرة الوافية، وهي قادرة أيضًا على جعل موقع المجلة الإلكتروني خلية نحل لا تهدأ، وقادرة على جعل المجلة الأكثر مقروئية. الأمر (الأهم) في مسألة معاودة صدور مجلة المعرفة هو أن تكون (الشفافية وسقف الحرية وقبول الرأي ووجهات النظر والنقد الهادف للوزارة ومدخلاتها وعملياتها ومخرجاتها والميدان التربوي والتعليمي) مكفولةً وحاضرةً دون غبش أو ضبابية، وما لم تتفهم الوزارة هذه المطالب بروح العصر وانفتاحه وتصدر المجلة وفيها (فسحة ظاهرة وثابتة ومستمرة) لتلك المطالب، فلا فائدة تُنتظر من صدورها، ولا نجاح يؤمَّل لها، ولا أمل في استمرارها إن هي صدرت.

أقول هذا كون وزارة التعليم يلاحظ عليها تحسسها اللافت من بعض وجهات نظر منسوبيها وغيرهم، وهو ما يُضعف الأمل في معاودة إصدار مجلة المعرفة. فهل تفتح الوزارة صفحة جديدة مع مجلة المعرفة ومحتواها فتُعيد إصدارها، وتجعلها ميدانًا حرًّا لإبداع منسوبيها -وغيرهم- وركضهم وبوحهم وشكواهم ونقدهم الهادف وهمومهم وقضاياهم وإشكالياتهم؟.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X