Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
علي آل شرمة

المتسللون.. أشباح يهددون الأمن العام

A A
تواجه المملكة العربية السعودية مشكلة كبيرة ظلت تشكل هاجساً للأجهزة الأمنية، تتمثل في المتسللين ومجهولي الهوية الذين يدخلون أراضيها بدون أوراق ثبوتية، ولا توجد عنهم معلومات تشير إلى وضعهم أو تشرح حقيقتهم، لذلك فهم أشبه ما يكونون بالقنبلة الموقوتة التي يمكن أن تنفجر في أي لحظة، لتُلحق أضراراً كبيرة بالمجتمع والوطن، لا قدر الله.

هؤلاء «الأشباح» - إن جاز التعبير – يدخلون الأراضي السعودية خِلسةً، باستغلال المساحات الحدودية الشاسعة، وقسوة الطبيعة التي تتكوَّن في معظم الأحيان من مناطق جبلية شديدة الوعورة، وهو ما يجعل مراقبتها على مدار الساعة أمراً في غاية الصعوبة، إن لم يكن من قبيل المستحيل.

مشكلة هؤلاء تكمن في أنهم يُدركون طبيعة وجودهم المخالفة للنظام، ويُركِّزون على جمع أكبر مقدار من الأموال في أقصر فترة زمنية ممكنة، لذلك فإن غالبيتهم العظمى تكون على استعداد لفعل أي شيء، ولاقتراف أي نوع من الجرائم في سبيل تحقيق هذه الغاية، فمعظمهم قادمون من بيئات يُخيِّم عليها البؤس، ويكونون قد باعوا كل ما يملكونه – رغم بساطته – لتأمين ما يكفي من المال لمن يعملون في تجارة البشر من المهربين الذين يتولون نقلهم وإدخالهم إلى الأراضي السعودية، ومن ثم إيوائهم ونقلهم إلى الأماكن المتفق عليها.

الأخطر من ذلك أن احتمال إصابتهم بأمراض معدية؛ يبقى مرتفعا للغاية، نسبةً لأنهم قادمون من مناطق تنعدم فيها أبجديات الرعاية الصحية، وفي هذا العصر الذي نعيشه، لاسيما مع تفشي جائحة كورونا، فإن هؤلاء يُمثِّلون بؤر خطر متنقلة.

حتى بعد وصولهم إلى داخل المملكة؛ فإن معظم هؤلاء يختارون العيش في سفوح الجبال وأطراف المدن، ليصعب على الأجهزة الأمنية مراقبتهم وتعقبهم، وقد شهدنا جميعا ما حدث في منطقة عسير خلال السنوات الماضية عندما قام بعض مجهولي الهوية بإشعال حرائق متعمدة لإعاقة أجهزة الأمن عن ملاحقتهم وضبطهم، وهو ما تسبب في حدوث خسائر مادية وبيئية كبيرة. وقد فطنت وزارة الداخلية للخطر الذي يُمثِّله هؤلاء على المجتمع السعودي، لأن غالبيتهم من الذين يمتهنون تهريب وترويج المخدرات والأسلحة والخمور والعملات المزيفة وغيرها، فبادرت إلى تشديد مراقبتها للمناطق الحدودية وتفتيش السيارات المشتبه فيها عند نقاط الضبط الأمني، إضافة إلى تكوين فرق خاصة للتقصي وجمع المعلومات. كما قامت الدولة بتشديد عقوبة كل من يُقدِّم أياً من أشكال العون والمساعدة لهم، سواء بالتهريب أو الإيواء أو النقل أو التشغيل، ووصلت العقوبات إلى غرامات مليونية، والسجن لفترات طويلة، ومصادرة المركبات المستخدمة في نقلهم والعقارات التي تؤويهم، وجعلتها من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف والمخلة بالشرف والأمانة، لكن للأسف لا زال بعض ضعاف النفوس من المواطنين والمقيمين يمارسون تلك السلوكيات التي تهدد المجتمع، رغبةً في تحقيق مكاسب مادية ولو على حساب هذا الوطن الذي قدَّم لهم الكثير. فنفوسهم التي أعماها الطمع وامتلأت بالجشع تدفعهم للقيام بتلك الأدوار التي تُمثِّل خطراً على الأمن العام، بحِيَل وأساليب شيطانية، نظير مبالغ مالية مهما بلغت أرقامها إلا أنها تظل زهيدة إذا ما قورنت بالأضرار التي تُشكِّلها على الوطن ومكتسباته، وعلى الإنسان وسلامته.

الآن تشن وزارة الداخلية حرباً لا هوادة فيها على هذه الظاهرة التي باتت تُشكِّل خطراً على مصلحة الوطن وسلامة المواطنين والمقيمين، وذلك بتكثيف الحملات التفتيشية، وزيادة معدلات الوعي بخطورة هذه الفئة، وضرورة تكامل الجهود الرسمية والشعبية لإنجاح هذه الجهود حتى تُكلَّل بالنجاح.

بلادنا تعيش ظروفا استثنائية في ظل تصدِّيها لمليشيات الحوثي الانقلابية التي لا تكفّ عن محاولة إلحاق الأذى بالقرى والمدن الحدودية عبر مقذوفاتها العشوائية، وكثير من الذين يتسللون إلى بلادنا هم عناصر تابعة لتلك الجماعة الخارجة على القانون، وليسوا كما يظن البعض مجموعات من الفقراء الذين يبحثون عن لقمة العيش، بل هم جواسيس يعملون مع المليشيات الإرهابية، ويسعون بشتى الطرق إلى إرسال إحداثيات عن مواقع محددة بقصد استهدافها.

حتى الذين يتسللون من الدول الأخرى، فإن واجبنا جميعاً هو إيقافهم وترحيلهم إلى بلادهم، لأن ذلك يدخل ضمن التزامات المملكة التي قامت بالتوقيع على اتفاقيات ومعاهدات دولية تُحرِّم الاتجار بالبشر، وهي ملتزمة بتقديم مَن يقومون بتلك الممارسات غير الأخلاقية إلى منصات العدالة وإيقاع أشد العقوبات بحقهم.

واجبنا الديني والوطني يملي علينا أن نكون جميعا عناصر داعمة لجهود وزارة الداخلية، وأن نتحلى بأكبر قدر من اليقظة والانتباه، وعدم التردد مطلقا في الإبلاغ عن أي مكان توجد فيه حركة مريبة أو مجموعات مشبوهة، وأن نتخلى عن السلبية في المواقف، لأنها تضر ولا تنفع، وتُؤخِّر ولا تُقدِّم.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X