Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

اخصــــرها

A A
معنى العنوان بالعامية، هو التجاهل التام، أو ترك الشيء. وقصص أخطاء ترك المنتجات والأفكار الناجحة كثيرة، وقد تذكَّرتُها أثناء تجوّلي حول منشآت «بوينج» في مدينة «سياتل» في غرب الولايات المتحدة.. ومقر هذه الشركة هو مجموعات هائلة من التجمعات العمرانية والتي تشمل المصانع، والمباني، والمستودعات، بل وتشمل ثلاثة مطارات.. حقل «بوينج».. ومطار «كنت» وكلاهما في جنوب «سياتل».. ومطار «سنوهوميش» في شمالها.. الشاهد أن الشركة لا تخفي حسرتها على إيقاف خط إنتاج إحدى أفضل الطائرات التي أنتجتها وهي البوينج ٧٥٧.. حيث أنتجتها خلال الفترة من 1982 إلى 2004 ثم «خصرتها»، لتُركِّز على منتجاتها الجديدة بالرغم أنها كانت نجمة من نجوم الطيران التجاري، كان ولا يزال أداؤها من أروع ما يكون.. وأُطلق عليها لقب «فيراري» الجو في تسارعها وصعودها.. وكانت أيضاً اقتصادية، ومرنة جداً للرحلات القصيرة، والمتوسطة، والطويلة لنقل حوالى مائتي راكب.. ومن جانب آخر كانت أيضاً أشبه بمفهوم «كريسيدا» الأجواء.. و»الكريسيدا» كانت إحدى أفضل منتجات شركة تويوتا.. حيث كانت هذه السيارة تعشق العمل الدؤوب باعتمادية، وكانت اقتصادية، وأنيقة، ومريحة.. ومثل ما فعلت شركة البوينج في طائرتها الـ٧٥٧ أنتجت تويوتا هذه السيارة في الفترة من 1973 إلى 1995، ثم قررت أن تُوقف الإنتاج بالكامل بالرغم من نجاحها.. يعني «خصرتها»، للتركيز على المنتجات الجديدة.. وهناك المزيد من القصص.. ومنها قصة شركة «الكوكا كولا» التي تنتج «القازوزة» الأكثر مبيعا في العالم.. ففي عام 1985 قررت الشركة تقديم «الكوكا كولا المطورة» الجديدة، وأن تخصر المشروب التقليدي الذي كان سبب نجاح الشركة.. ولكن المنتج الجديد المطوَّر لم يكن بنفس جودة المنتج الأصلي.. ومن حسن حظهم أنهم تداركوا الخطأ، وتراجعوا في القرار، ليُنقذوا مكانة الشركة، وتم التخلص من الخلطة الجديدة بالكامل تدريجيا.

وقصص إهمال القديم لا تقتصر على المنتجات فحسب، فهناك أيضاً قصص إهمال الأفكار عبر التاريخ، وبالذات في عالم العلوم.. حيث كانت إحدى اكتشافات العالم المسلم «أبو الحسن علاء الدين الأنصاري الدمشقي»، الشهير باسم «ابن الشاطر»، أن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس كما كان يعتقد الجميع إلى عام 1375م.. وأهملها علماء الغرب لأن مصدرها كان علماء المسلمين.. وقدَّمها بعدها العالم التشيكي «كوبر نيقوس» في عام 1543 ونُسبت إليه، وخصروا العَالِم المسلم الشاطر «ابن الشاطر»، وللعلم فقد قلب هذا الاكتشاف موازين الفكر العالمية، وبالذات في أوروبا، لأن فكرة أن تكون الأرض هي مركز الكون كانت إحدى تفسيرات التوراة والانجيل الأساسية.. ومن كان يعترض على ذلك كان يعتبر من أكبر درجات الكفر.. وأحد الأدلة على ذلك هي مثال العالم «برونو»، الذي تم حرقه في وسط روما لاعتناقه هذا المبدأ.

وأختم الأمثلة من عالَم الطب، ففي القرون الوسطى في أوروبا؛ كانت هناك مقاومة شديدة للطب الإسلامي، مما أدى إلى تركيز الممارسات الطبية المتقدمة لدى أطباء اليهود الذين لم يترددوا في الدراسة والتدريب على يد الأطباء المسلمين في بغداد، وفلسطين، ومصر، والأندلس.. وإحدى أفضل الأمثلة على ذلك هي سيرة «موسى ابن الميمون»، حيث كان من أبرز الأطباء بين القاهرة والأندلس، وتتلمذ على يد أطباء المسلمين، ولكنه كان ولا يزال أيضاً أهم فلاسفة اليهود إلى اليوم.

أمنيــــة:

هناك ما هو أهم من إهمال المنتجات، والخدمات، والأفكار، وهو إهمال الإنسان.. تخيَّل كم شخص حول العالم سيتم إهمالهم اليوم؛ بحجب حقوقهم الأساسية أو أفكارهم أو ثمرات جهودهم..

أتمنى أن يرتقي العالم بعدم هضم حقوق البشر.. والله يصلح الأحوال بإرادته، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X